هي روايتها الأولى. فيها اختارت ليلى عيد أن تكشف عن مزاج روائي خاص. جديد. مختلف... أجواء الرواية لا تخلو من الفنتازيا. إنّها تتجلّى من الصفحة الأولى: «كان لا يزال بي رمق، لم ينتبه المسعفون حين رموا بي في مكان تكدّست فيه الجثث. لم أكن قادرة على الكلام، وكان الوقت ظلاماً. لم يلحظ أحد أنّ عينيّ تتحرّكان. صار من المستحيل أن يُدركوا أنني أتنفّس ولو ببطء، أنّ صدري يعلو ويهبط بوضوح بعد أن وضعوا فوقي جثّة أخرى». هذا ما نقرأه في بداية مونولوغ «هي». هذه الجثة التي تلفظ أنفاسها الأخيرة. لا نعرف اسمها ولا عنوانها. جنسها فقط ينكشف في ضمير الغائب «هي».
مونولوغ آخر يأتي ردّاً عليها. «هو»... جثة أخرى. يقبع تحتها. يسمعها. إلاّ أنّه ليس متأكداً من قدرته على الكلام مثلها. يتذمّر من حديثها. يصفها ب«الغبية» ويعتبر كلامها مجرّد «تفاهات سخيفة». يقول إنّه قصد هذا المكان ظنّاً منه أنّه سيرتاح ويستمتع بتحوّله إلى كائن «مُعطّل» لكنّه وجد أنّ «الجثث هنا قادرة على التواصل بالأفكار» (ص37).
راويان إذاً يشدّان طرف السرد. أو جثتان إذا صحّ التعبير. «هو» و«هي» غريبان وضعتهما الصدفة معاً في مكان واحد. تُعيد «هي» شريط حياتها كاملة. فتكشف عن خيباتها وعلاقاتها المجهضة «على خلفية لبنان المتمزّق من الحرب المجنونة». أمّا «هو» فيتذكّر أهم محطات حياته. يستعيد اهتمامه ب«النملة» كصورة ومفهوم ومغزى. ويؤكّد على فكرة أنّه عاجز عن إيذاء النملة بينما تفضح سيرته مهارته في إيذاء الآخرين أو بالأحرى الأخريات عبر إغوائهن وهجرهن. بينهما، يبقى القارئ مأخوذاً بأجواء الرواية الغرائبية إلى أن يكتشف أخيراً أنّ هاتين الجثتين ليستا سوى شخصين تقابلا صدفة في إحدى الحانات وراح كلّ منهما يسرد بصمته وغثيانه ودوران رأسه رؤيته الخاصة إلى العالم والذات.
الأفكار الناضجة والتأملات الفلسفية والصور الشعرية واللغة المتينة تأخذ بيد القارئ لتُنسيه سؤاله المتكرّر عن هويّة بطلي الرواية وتُعيده إلى داخله. إلى رؤيته. إلى همومه ومشاكله وعقده... تُعيده إلى ذاته.