في مهرجان برلين، وقبل أيام قليلة منح الدكتور محمد البرادعي، المدير السابق لوكالة الطاقة الدولية، شهادة تقدير للفنانة العالمية أنجلينا جولي عن فيلمها «أرض الدماء والعسل»، لما يحويه الفيلم من قيم إنسانية، حيث تم تصوير مشاهده في البوسنة، وهو أول إخراج لأنجلينا.
وفي أعقاب منحها الشهادة منحها أيضا البرادعي قبلة على خدها عرفاناً وتقديراً، الغريب أنك لو تصفحت الإنترنت ستجد أن الكل تناسى الشهادة وقيمة الفيلم وتوقفوا فقط عند القبلة، واعتبروا أن الذي كان مرشحاً محتملاً للرئاسة في مصر وأشعل الثورة في عز سطوة الرئيس السابق حسني مبارك، يخون مبادئها لأنه قبَّل أنجلينا على وجنتها!
على الجانب الآخر، كان وزير الثقافة التونسي مهدي مبروك، يوجه صفعة لمطربات مثل نانسي عجرم وإليسا وشيرين، ويتهمهن علناً وعلى رؤوس الأشهاد بالإسفاف، وأنهن مطربات عري، ووجد هذا التصريح صدى إيجابياً لدى عدد لا بأس به من جمهور الإنترنت.
لو لم يكن هذا التسجيل موثقاً ما كان من الممكن أن أصدق ما سمعته، وزير الثقافة التونسي يقول: «على جثتي أن يأتي إلى مهرجان قرطاج الغنائي نانسي عجرم وإليسا وشيرين وتامر حسني»، بينما لطيفة لم يغلق دونها الباب تماماً بل جعله فقط موارباً، قال: «سوف نناقش الموقف!».
الوزير ينتمي إلى حزب النهضة التونسي الذي شكل الحكومة، فهو صاحب الأغلبية وله مرجعية إسلامية، إلا أن الحزب يمتلك مرونة في التعامل مع الحياة، لكن من الواضح أنهم قد وقع اختيارهم على وزير ثقافة تجاوزه الزمن، وانتهت فترة صلاحيته، يرفع شعار المنع والمصادرة، ويستعين بجثته لتحقيق هذا الغرض إذا اقتضي الأمر ذلك!
يؤكد الوزير، في دفاعه عن موقفه، أن سلاحه هو ديكتاتورية حماية الذوق، ويعتبر نفسه حامياً لأذواق الملايين، واختار مطربين يحققون أعلى درجات التواصل مع الناس، ويقول «على جثتي»، لا أدري ما هو سبب التضحية بجثته لمنع نانسي مثلاً من العبور إلى الأراضي التونسية؟ هل صارت نانسي وأخواتها أشد خطراً على الشقيقة تونس من إسرائيل؟!
الإنسان يضحي بشحمه ولحمه ودمائه في سبيل الذود عن حياض الوطن ضد الأعداء، لكن أن تعتبر حضور مطرب أو منعه قضية قومية، هذا هو حقيقة ما يثير الألم والخوف على المستقبل، لنعرف كيف وصل بنا الحال إلى كل هذا التطرف في فرض الذوق الواحد قهراً على كل الناس؟!
أنا شخصياً لي ملاحظات على عدد من الأغنيات لكل هؤلاء وغيرهم، لكن هذا فقط يعبر عن ذوقي وقناعتي، ولا يجوز أن يتسع الأمر لأبعد من ذلك، وأعتبر أن على الجميع الخضوع إلى رؤيتي، فلا يمكن أن أطالب الدولة مثلاً بمنع مطرب عربي لا يعجبني صوته أو أغنياته أو ملابسه أو آراؤه من دخول البلاد، أو أطلب من أجهزة الإعلام أن تتجاهل صوت مطربة مصرية لأن ملابسها لا تتوافق مع قناعتي الشخصية!
الوزير التونسي بالطبع يعتقد أنه يستند إلى مرجعية دينية متطرفة مطلقة في أحكام التحريم تتيح له أن يرفض أو يوافق كما يحلو له، وأن المجتمع سوف يؤازر هذا الاختيار، بعد أن أصبح الترمومتر المتطرف هو السائد والمؤثر في توجه قطاع عريض من الجمهور.
هل ما تقدمه نانسي أو إليسا يعد في عرف القانون خادشاً للحياء، وهل شيرين مطربة إثارة، لاحظ أننا لا نتحدث عن شاكيرا ولكن شيرين!
الحقيقة هي أننا نعيش كمجتمع عربي في ظل تنامي تيار إسلامي بات يملك قوة دستورية وقاعدة نيابية حصل عليها عن طريق التصويت الشرعي، ولا نغفل أيضاً أن التهميش الدائم للتيار الإسلامي في مصر وتونس، وغيرهما من الدول العربية، لعب دوره في تطلع هذا التيار للتواجد الآن عبر القنوات الشرعية، ولكن عليه ألا يمارس بالضبط ما كانت تفعله الأنظمة السابقة ضده عندما كانت تلجأ إلى سلاح الاستبعاد.
كانت الأنظمة العربية عنيفة ضد هذا التيار، وجاءت ثورة اللوتس المصرية وقبلها الياسمين في تونس فأصبح لهذا التيار الحق في التعبير، فشرعوا في إنتاج أفلام ومسلسلات وبرامج ولديهم قنوات فضائية خاصة بهم، وما حدث في مصر تكرر في تونس، حتى المملكة المغربية التي لم تشهد ثورة باتت الغلبة فيها أيضاً للتيار الإسلامي، وفي آخر مسابقة لاختيار ملكة الجمال المغربية كانت أشبه بتنافس حول الفتاة الأذكى والأكثر إجادة للغات، واستبعدوا تماماً عنصر الجمال من التقييم كما كان متبعاً في الماضي!
أن يبدأ تيار إسلامي ممارسة حقه في الحكم هذا بديهي، ولكن الحكم شيء آخر غير التحكم، ما نراه من استخدام تعبير «على جثتي» و«ديكتاتورية الحفاظ على الذوق» وغيرها من الكلمات «الحنجورية»، أراها تخصم الكثير من مصداقية هذا التيار في الشارع العربي، وليس فقط التونسي الذي ارتبط بثورة الياسمين المعبرة عن إرادة شعبية.
علينا ألا ننسى أنه كان على رأس أهداف ثورات الربيع العربي القضاء على الفساد والتوريث والديكتاتورية، وليس القضاء على نانسي وإليسا وشيرين!
ماذا لو ظهر هذا الرأي قبل 70 عاماً، من المؤكد أننا لم نكن من الممكن أن نستمتع بأغنيات أسمهان وليلى مراد وصباح وشادية ونور الهدي وغيرهن، بسبب أنهن يتمتعن بصوت جميل وملامح جذابة، الوزير التونسي لا أتصوره ضد الإسفاف أو العري كما يدعي، لكنه بالدرجة الأولى ضد جمال المرأة، حيث يختلط عليه الأمر بين الجمال والغواية!!
ويبقى في المعادلة الجمهور العربي، لماذا كان قطاع منه عاتباً على البرادعي بسبب قبلته البريئة لأنجلينا؟ ولماذا كان أيضا سعيداً بالصفعة التي وجهها الوزير التونسي لنانسي وإليسا وشيرين؟
إن هذه قصة أخرى تحتاج إلى أن نتأمل بالضبط، ماذا حدث خلال السنوات الأخيرة في الشارع العربي...