الشفافية في الديكور: نافذة بين الضوء والعتمة

باريس - نجاة شحادة 18 نوفمبر 2018

من الصعب البحث في عالم الديكور عن عناصر الشفافية، بعيداً عن المواد النبيلة.. ففي الزخرفة كما في العمارة، تؤكد الشفافية حضورها الساحر، من خلال المواد المختارة، ولكن أيضاً من خلال شفافية المهندس نفسه...

 

بالطبع حين نقول شفافية، فإن أول ما يقفز الى الذهن هو الزجاج بكل تنوّعاته وأساليبه وطرائق إستخدامه. بالتأكيد تشكل هذه المروحة من الزجاج العادي وصولاً الى الكريستال، ينبوعاً لألهام الكثيرين من العاملين في مجال الديكور، وتوفر صياغات لا نهائية لأفكارهم وتطبيقاتهم ولدينامية الإبداع في مسيرتهم العملية.

ولكن المسألة ليست بهذه السهولة، ولا ينحصر تعريف الشفافية في الديكور أو في الهندسة بمادة الزجاج فقط. إنه يتعدى المادة – في لحظة ما - ليحيط بمفهوم المكان وفلسفته ومدى نقاء فضاءاته وخطوطه، وبالتالي يمكن أن تشمل الشفافية، من هذا المنظور، المزاوجة المرهفة بين المواد النبيلة وبين المكان نفسه. كما أن التضاد في بعض المواقف والظروف سيجد مكانه في هذا التعريف الرحب الذي يتسع بإتساع الفكرة. فالحيوية الممنوحة للمكان، عبر خيارات العناصر التي تشارك في رشاقته، وإبراز نقاوة خطوطه، وبساطة هيكلياته، تؤكد من منظور ما شفافيته وما تعكسه فضاءاته الرحبة والمفتوحة.

ولأن الزجاج يكتنز الكثير من هذه الصفات والأبعاد، نجده يتصدر المواد التي تمنح الشفافية بعدها الواقعي، وترفده ببعد إفتراضي لا يمكن أن تُحجب مؤثراته.

والزجاج هنا لا يعني فقط ما نعرفه في الأكسسوارات، ولكنه ذلك الذي يشارك في صَوغ الهياكل والعناصر بكل تنوعاتها. فهو مرة الزجاج المصقول بنعومة وصفاء، وهو أيضاً الكريستال بكل درجات نقاوته، أو البلكسي غلاس بكل مطواعيته ومرونته الأخاذة.

وهو في كل هذه الحالات والتحولات، لا يفتقر الى البراعة والجسارة، وقدرته على مواكبة كل التصاميم والأنماط الزخرفية، كلاسيكية أو باروكية أو عصرية أو متطرفة في حداثتها وغريبة في طروحاتها.

هذه المواد في كل مظاهرها الشفافة، العارية من الألوان او المزخرفة أوالملونة، تضفي على الأماكن حلة من ضوء و رونقاً ساحراً، لا حدود لجاذبيته.

والزجاج والكريستال وغيرهما من المواد الشفافة المستولدة، لا يختصر حضورها في بعض الأواني والمزهريات وبعض عناصر الإضاءة والزينة، لقد طوعتها التقنيات الحديثة وجعلت منها قابلة للعب كل الأدوار التي تقترحها الموضة، متجاوزة في تعبيرها أحياناً ما يفوق الخيال والتصور.

وبعدما كان الزجاج في الماضي يزين سطوح الطاولات او يستثمر في ابتكار الزخارف الزجاجية المرصوفة والملونة، إضافة الى النوافذ والأبواب، فإنه أصبح اليوم عنصراً أساسياً في تشكيلات العمارة الحديثة. وهكذا تمدد استخدامه من الداخل بإتجاه الخارج، ليمنح الأشكال الهندسية هوية عالمية مؤكدة.

وأثبتت هذه المواد القديمة الكثير من القيم الجمالية، بالإضافة إلى كونها ذات قيم وظيفية لا يمكن تجاهلها. فهي قادرة على الاندماج في كل جو من أجواء الديكور والتأثير في كل بيئة تستوطنها كلاسيكية كانت أو معاصرة، كما انها قادرة على التناسق والإنسجام مع مواد شفافة تشبهها، إضافة الى المواد والخامات المختلفة من خشب او جلود، معادن مختلفة وأقمشة. وفوق هذا كله هي حليفة للضوء، تسبغ على الأماكن مظهراً مثيراً بحلة لا زمنية.

وفي نظرة فاحصة إلى بعض الأدوار التي يمكن هذه المواد الاضطلاع بها على خطوط الموضة والديكور، نجدها اليوم تحتل قمة اتجاهاتها. فهي بسيطة سلسة الخطوط ودعابية أحياناً تفيض ايحاءاتها بالكثير من الصور الرصينة، الطريفة والمشبّعة بالغرابة. ففي التيارات الجديدة لمقترحات الديكور نجد تشكيلات من الكراسي وقطع الأثاث والأكسسوارات الجديدة تدفع والى أبعد حدود هذه المواد في حركة الإبداع الصناعي، والفني، مفسحة المجال أمام أساليب عديدة من التعبير، مسافرة أحياناً في الزمن لتلتقط بعض ملامح من تيارات ماضية، أو سابقة له في محاولات لاستكشاف المستقبل. ولنجد في النهاية مزيجاً غريب الأطوار من التصاميم الارتجاعية التي تستوحي أجواءها من خمسينات القرن الماضي والأنماط الغريبة والحديثة العصرية التي حُقّقت بصياغات مثيرة للخيال وبإيقاعات شاعرية ساحرة. ويحصل إبراز جمالية هذا النوع الحديث من الأثاث وملحقاته غالباً ضمن أجواء مبسطة تخلو من التكديس وعشوائية الخيارات، فقطع الأثاث لا بد أن تكون مدروسة من حيث الشكل والأحجام بما يتناسب مع البيئة الزخرفية المحيطة بها مرفقة بخيارات محددة من العناصر للزينة وإضفاء جو أنيق مشبع بالجاذبية.

بعض هذه العناصر قد يكون شفافاً أو ملوناً بلون مختلف زاهٍ ضاربٍ او بلون عميق يطرّز المناخ بلمسة تناقضية. لكنه لا يخرج عن خط التناغم المطلوب الذي يحتل المرتبة الأولى من حيث الأهمية. فالبحث عن الجماليات واختيار الإنماط الشفافة واللعب على تناقضات في أجواء المكان تضفي عليه أكثر من رونق، بحيث يبدو مختلفاً في كل مرة ننظر إليه وتبعاً لكل زاوية...

ولا تلغي الأستعانة بالزجاج والمواد الصلبة الشفافة في الاتجاه الجديد من الديكور، بقية المواد المختلفة التي تشارك الزجاج في الرونق والشفافية، مثل بعض انواع النسيج الشفاف الذي يستعمل في الكثير من الأحيان للستائر، وكذلك الدانتيل المخرم، اضافة الى الورق الياباني الذي يلعب فوق مسرح الديكور الحديث مشكلاً وبكثير من اللطافة بعض أجوائه، وذلك من خلال تصاميم وعناصر للإضاءة تلقى شعبية كبيرة لدى محبي الطرافة والتجديد والتنوع.

أما المرايا فتلبس أكثر من حلة ومن وظيفة، فتتلاعب في عكس الأضواء طبيعية كانت أو صناعية، وتساهم في تفعيل حيوية الضوء في المكان بقيم جمالية مثيرة وحسية وبنتيجة مدهشة.

ما رأيك (0)

0

0

0

0

0