شمس إيطاليا تشرق من إسكندينافيا: “الدولتشي فيتا” فوق صفيح بارد

باريس - نجاة شحادة 22 ديسمبر 2018

أن يكون المنزل مكاناً لكل الممكنات، نتقاسم فيه أسعد اللحظات مع الأصدقاء والعائلة، مكاناً نشعر فيه بالسعادة والأمان، وأيضاً مكاناً للمشاركة، هذا ما نسمّيه الـ”دولتشي فيتا”...


بهذه العبارات، تبدأ إحدى مهندسات الديكور بتعريف هذا الاتجاه الذي يغزو أوروبا من جنوبها الى شمالها.

في جنوب أوروبا، وفي إيطاليا تحديداً، ولدت هذه الفكرة، ولم تكن نتيجة بحث ودراسات، إنما كانت خلاصة التقاليد والسلوكيات ونمط الحياة والثقافة الإيطالية أيضاً.

ففي إيطاليا، تبدو الحياة العائلية، أكثر من أي مكان آخر، صيغة فريدة لحياة كلها حيوية ودفء وبذخ.

“الدولتشي فيتا” تحيلنا بالطبع الى تحفة “فديريكو فليني” السينمائية في بداية ستينيات القرن الماضي، وهو الفيلم الذي حاز “السعفة الذهبية” في “مهرجان كان السينمائي”.

بالتأكيد، أشياء كثيرة تغيرت منذ ذلك التاريخ الى اليوم، ولكن ما يدور خلف الواجهات المتلألئة بالألوان والنوافذ المتهالكة، في المنازل كما في القصور، لا يزال على حاله. إنه الداخل الإيطالي مسرح الحياة العذبة والبسيطة مع كل المشاعر الصاخبة.

و”الدولتشي فيتا” أكثر من ميول وأقل من تيار، إنها حالة لافتة... تعتمد على داخل له خصوصيته وفرادته، وله أيضاً خصائصه وتفاصيله، أي أن له أشكاله وألوانه وخطوطه وتنسيقاته التي تنطلق من مفهوم يتعلق بالحياة نفسها.

الصياغات التي تميز أجواء “الدولتشي فيتا”، هي عبارة عن توليفات تشارك في حبكتها مسائل عدة، لذا فهي ليست تقليدية تماماً ولا حديثة بشكل مطلق، بل مزيج من الأزمنة والحقب، كما أنها تزاوجٌ فريد بين الأصالة والمعاصرة المطعّمة بالذائقة والتقاليد الاجتماعية والعائلية، وبالطبع المزاج والرغبات الشخصية. هي أقرب ما تكون الى “الباروك” الحديث. لذا فليس من المستغرب أن نجد قطعة بالغة الحداثة تجاور قطعة أخرى قادمة من حقب سابقة، فمن هذا التضاد يمكن توليد جماليات مستحدثة تتّسق في ما بينها لتنتج أجواء بالغة الإدهاش. ومع التفاصيل الصغيرة والأكسسوارات المختارة بعناية، يمكن تأمين أقصى مستويات الجمالية وتوفير أعلى مستويات الراحة والرفاهية.

ولعل أكثر ما يجذب في هذه الأجواء هو قدرتها على تحقيق معادلة فذّة في تكريس التناغم والتوازن بين الجمالي والوظيفي. فالعملية التي تبدو وكأنها تلقائية، هي في حقيقة الأمر تتطلب الكثير من الخبرة والمعرفة، وفوق هذا وذاك تتطلب جرعة كبيرة من الأحاسيس والمشاعر التي تحتكم ليس الى “شروط” المكان فحسب، بل الى روحه أيضاً. ففي إيطاليا نكهة خاصة للأمكنة، بل ومذاق خاص للمساحات، تبدو معها عملية الزخرفة هامشية إذا ما قيست بمعيار زمني محدد. فالتاريخ هنا حاضر في كل ركن وفي كل زاوية، وهكذا فإن “الدولتشي فيتا” تعتمد على التاريخ ليس ببُعده الزمني، ولكن بمعانيه الحية التي تبث في كل عنصر يتصل به حرارة آنية.

تنسيقات “الدولتشي فيتا” تعتمد أيضاً على مظاهر البذخ، ولكنه بذخ يبتعد عن المبالغة والتكلّف. هو بذخ شكلي يستبطن بساطة مؤكدة تمليها الرغبة في الحصول على أجواء مريحة ودافئة ومناسبة لكل المناسبات. فالأثاث هنا يلعب دوراً أساسياً في رسم الفضاءات وبث الحيوية في المساحات، لذا نجد أن حضور الأكسسوارات الكثيرة التي تتطلبها أجواء “الدولتشي فيتا” لا يكون على حساب الأجواء الداخلية المفتوحة، بل يمكن ملاحظة أن الصياغات التي تُعتمد في هذا الاتجاه هي في الغالب رشيقة تبث البهجة وتشيع الأمان. فكل عنصر من عناصر داخل “الدولتشي فيتا” يشارك بطريقة ما وبمقدار ما في رسم المشهد وتحقيق أقصى درجات الانسجام والتناغم بين مكوناته. إضافة الى هذا، نجد أن المواد النبيلة من أخشاب وجلود ورخام وأقمشة رائعة بأليافها الطبيعية وغيرها الكثير، تشارك كلها بفعالية كبيرة في تكريس مظاهر “الدولتشي فيتا”، ولكن من دون افتعال أو استعراض.

بالطبع يمكن أن يكون الداخل كله “دولتشي فيتا”، ويمكن أن تكون أجزاء وأركان منه، فهي في كل الحالات تلعب دورها بأناقة وكفاءة كاملتين. لذا فإن “الدولتشي فيتا” ليست مجرد تنسيقات وصياغات زخرفية خاضعة لشروطها، بل هي إشارة الى حيوية، جمالية ووظيفية، مفتوحة وملائمة لكل الأمكنة والمساحات، لكل المنازل والشقق. فقد تشرق هذه الحيوية في الصالون أو في غرفة النوم أو في صالة الجلوس أو على الترّاسات البديعة - التي لا تغيب عن المشهد الزخرفي بجمالياته الفريدة في إيطاليا - حتى في المطبخ الذي يستحوذ على الكثير من ملامح “الدولتشي فيتا” لأنه المكان المحوري في المنزل الإيطالي، حيث تتجلّى ملامح الكرم والضيافة ليتقاسمها الجميع: أفراد العائلة والأصدقاء والزوّار والمدعوون. إنها حيوية تبدو في كل أطوارها وأدوارها مساهمة خلاّقة في تكريس قوانين الراحة والأناقة في داخل لا يشبه إلا نفسه.

لذا فليس من المستغرب أن يأتي الاحتفاء المتجدد بـ”الدولتشي فيتا” هذه المرة من أوروبا، من اسكندينافيا تحديداً، حيث يعمل المصممّون في الشمال الأوروبي بإبداع على المواءمة بين تقاليد الأثاث الإسكندينافي - حيث ترجيح الوظيفي على الجمالي –، وبين القيم الجمالية التي تزخر بها أجواء “الدولتشي فيتا” المبهرة.

وإذا كان البعض يسمّيها “ضربة شمس إيطالية” تصيب الداخل الإسكندينافي، فإن ذلك لا يلغي انتشار هذا الاتجاه في كل الدول الأوروبية، في ما يشبه الحمّى.



ما رأيك (0)

0

0

0

0

0