black file

تحميل المجلة الاكترونية عدد 1097

بحث

رحيل "مهندس قطر الحديثة".. وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن 74 عاماً

وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.. قطر تنعى قائد نهضتها الحديثة

الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

خيمت أجواء من الحزن والأسى على دولة قطر والعالمين العربي والإسلامي، صباح اليوم الأحد، إثر إعلان الديوان الأميري القطري وفاة الأمير السابق للبلاد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، عن عمر ناهز 74 عاماً، بعد مسيرة حافلة بالإنجازات والتحولات التاريخية التي نقلت قطر إلى مصاف الدول الأكثر تأثيراً وازدهاراً على الساحتين الإقليمية والدولية.

بيان رسمي ينعى "فقيد الوطن الكبير"

وصدر عن الديوان الأميري القطري بيان رسمي نعى فيه الراحل بعبارات مؤثرة، وجاء فيه: "بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره, ينعى الديوان الأميري فقيد الوطن الكبير المغفور له بإذن الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي وافته المنية صباح اليوم الأحد عن عمر ناهز 74 عاماً".

 وأضاف البيان: "تغمد الله فقيد الوطن الكبير بواسع رحمته وغفرانه، وأسكنه فسيح جناته… وجزاه الله عنا خير الجزاء على ما قدم لوطنه وأمته العربية والإسلامية من أعمال جليلة خالدة".

وقد أعلن الديوان الأميري الحداد الرسمي في البلاد وتنكيس الأعلام، وسط تدفق لبرقيات التعازي والمواساة من قادة وزعماء دول العالم الذين أشادوا بحكمة الراحل ودوره القيادي الاستثنائي.

من ساندهيرست إلى طفرة الغاز والجزيرة.. سيرة الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

ولد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الدوحة عام 1952، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدارسها، قبل أن يلتحق بأكاديمية "ساندهيرست" العسكرية الملكية الشهيرة في المملكة المتحدة، والتي تخرج منها عام 1971.

ساهم هذا التكوين العسكري الصارم في صقل شخصيته القيادية، ليعود إلى البلاد ويتدرج في المناصب العسكرية؛ حيث عُين قائداً لكتيبة المحمول الأولى، ثم رُقي إلى رتبة لواء وعُين قائداً عاماً للقوات المسلحة القطرية. وفي عام 1977، عُين ولياً للعهد ووزيراً للدفاع، ليقود عملية تحديث واسعة النطاق للجيش القطري وتطوير منظوماته الدفاعية.

1995 - 2013: عهد التحولات الكبرى ونقلة قطر الاستراتيجية

تولى الشيخ حمد بن خليفة مقاليد الحكم في دولة قطر في 27 حزيران (يونيو) 1995، لتبدأ البلاد معه حقبة جديدة وُصفت بـ"الثورة الهادئة" التي غيرت وجه قطر اقتصادياً، سياسياً، واجتماعياً:

الدستور الدائم والإصلاح السياسي

شهد عهده تحولاً تشريعياً جذرياً، حيث أمر بتشكيل لجنة صياغة "الدستور الدائم لدولة قطر"، والذي تم الاستفتاء عليه شعبياً عام 2003 وحظي بموافقة شبه إجماعية، ليرسخ دعائم الحكم، ويفصل بين السلطات، ويضمن الحقوق والحريات الأساسية، إلى جانب تنظيم انتخابات المجلس البلدي المركزي كخطوة أولى لتعزيز المشاركة الشعبية.

الطفرة الاقتصادية وعصر الغاز

ركز الراحل على الاستغلال الأمثل للثروات الطبيعية، وقاد رؤية استراتيجية جريئة للاستثمار في الغاز الطبيعي المسال عبر تطوير "حقل الشمال" (أكبر حقل غاز طبيعي غير مصاحب في العالم). وخلال عهده، أصبحت قطر المصدر الأول للغاز المسال في العالم، مما قفز بمعدلات النمو الاقتصادي إلى مستويات قياسية، وحوّل الدوحة إلى عاصمة اقتصادية عالمية، ورفع دخل الفرد القطري إلى أعلى المستويات دولياً.

تأسيس جهاز قطر للاستثمار (2005)

بهدف تأمين مستقبل الأجيال القادمة وتقليل الاعتماد على النفط، أسس الراحل الصندوق السيادي للدولة، والذي تحول سريعاً إلى أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم، من خلال استثمارات استراتيجية شملت عقارات فاخرة، وأسهم في كبرى الشركات العالمية، وبنوك دولية.

السياسة الخارجية والدبلوماسية المرنة

انتهج الراحل سياسة خارجية مستقلة وديناميكية، تحولت من خلالها قطر إلى وسيط دولي موثوق لحل النزاعات الإقليمية والدولية (من اتفاق الدوحة اللبناني عام 2008، إلى ملفات دارفور السودانية وأفغانستان).

إطلاق "قناة الجزيرة" (1996)

أصدر قراراً بإطلاق شبكة الجزيرة الفضائية، وهي الخطوة التي أحدثت ثورة غير مسبوقة في المشهد الإعلامي العربي والعالمي، وكسرت احتكار الإعلام الدولي، معززةً القوة الناعمة لدولة قطر.

النهضة التعليمية والثقافية

أسس رفقة شريكته في مسيرة التنمية، الشيخة موزا بنت ناصر، "مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع" عام 1995، والتي استقطبت أعرق الجامعات العالمية (مثل كورنيل، وتكساس، وجورجتاون) إلى "المدينة التعليمية"، إلى جانب تأسيس متاحف عالمية مثل "متحف الفن الإسلامي" لترسيخ الهوية الثقافية.

الإنجاز الرياضي التاريخي

توجت رؤيته الاستراتيجية بفوز قطر عام 2010 بحق استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم (مونديال 2022)، كأول دولة عربية وفي الشرق الأوسط تحظى بهذا الشرف، مما وضع البلاد في قلب الخريطة الرياضية العالمية.


الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني والشيخ تميم

الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني والشيخ تميم

خطوة تاريخية: سابقة تسليم الحكم وبناء الدولة المستدامة

في 25 حزيران (يونيو) 2013، وفي خطوة وصفت بالتاريخية والنادرة في المنطقة العربية، أعلن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في خطاب وجهه للشعب القطري، تسليم مقاليد الحكم لولي عهده آنذاك، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

وجاءت هذه الخطوة لتؤكد إيمان الراحل بضخ دماء جديدة في عروق القيادة وتكريس مفهوم استدامة المؤسسات، لينتقل بعد ذلك إلى مربع "الأمير الوالد"، مظلاً برعايته وحكمته مسيرة النمو التي استكملها نجله بكفاءة عالية واجهت بها قطر مختلف التحديات الإقليمية.

إرث خالد

يرحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مخلفاً وراءه إرثاً سياسياً، اقتصادياً، وإنسانياً ضخماً، ودولة حديثة تتمتع ببنية تحتية فائقة التطور، وصناديق سيادية استثمارية عملاقة تؤمن مستقبل الأجيال القادمة. وسيذكره التاريخ كقائد استثنائي امتلك الرؤية والشجاعة لتغيير خارطة بلاده ومحيطها الإقليمي.

المجلة الالكترونية

العدد 1097  |  حزيران 2026

المجلة الالكترونية العدد 1097