black file

تحميل المجلة الاكترونية عدد 1098

بحث

من سورة الفلق لشعر درويش.. أسرار الخط العربي في إطلالات الشيخة موزا

كيف حولت الشيخة موزا الخط العربي إلى لغة سرية في مجوهراتها؟

الشيخة موزا بإطلالات راقية ببصمة الخط العربي

لم يكن الحرف العربي في إطلالات الشيخة موزا بنت ناصر يوماً مجرد تفصيل زخرفي عابر يُضاف إلى عباءة فاخرة أو يتدلى من قطعة مجوهرات نادرة. على امتداد أكثر من عقدين، تحولت النصوص العربية في خزانتها إلى لغة بصرية متكاملة، تتنقل ببراعة بين الآيات القرآنية، ولفظ الجلالة، والومضات الشعرية، وصولاً إلى اسمها الشخصي الذي تحوّل بحد ذاته إلى تحفة تصميمية.

هذه الرحلة لا تعني أن كل إطلالاتها تحمل هذا الطابع، لكن التوثيق الدقيق لظهوراتها يكشف عن علاقة استثنائية وعميقة بين الخط العربي، والموضة، والهوية الثقافية في أبهى صورها.


الشيخة موزا بقلادة استثنائية ضمت سورة الفلق

الشيخة موزا بقلادة استثنائية ضمت سورة الفلق

البدايات: حين أصبح النص القرآني جزءاً من المجوهرات

لفهم هذا الارتباط، لا بد من العودة إلى الجذور الثقافية. ففي عام 2003، ومع بدء مهامها كمبعوثة خاصة لليونسكو للتعليم الأساسي والعالي (وهو منصب شغلته حتى 2023)، ارتبط اسمها بقضايا الهوية والمعرفة. في تلك المرحلة المبكرة، لفتت الشيخة موزا أنظار العالم بقلادة استثنائية حملت آيات من "سورة الفلق".

ما ميّز هذه القطعة ليس فقط الذهب أو الصياغة، بل كون النص نفسه يحمل معنى الاستعاذة والحماية. هنا، لم يكن الحرف موجوداً كي يُرى وحسب، بل ليُقرأ أيضاً، ليؤسس لقاعدة ذهبية في أسلوبها: المجوهرات يمكن أن تحمل رسالة روحية عميقة تتجاوز مفهوم "الزخرفة الشرقية" المجردة.


الطابع الشرقي في إطلالات الشيخة موزا

الطابع الشرقي في إطلالات الشيخة موزا

بين الخط العربي والزخرفة

من الأهمية بمكان في عالم النقد الفني والموضة التمييز بين "الخط العربي" و"الزخارف الهندسية". ففي قمة WISE عام 2021 لابتكار التعليم، ظهرت الشيخة موزا بقلادة ساحرة، ظن البعض للوهلة الأولى أنها تحمل حروفاً عربية. لكن التدقيق المهني والمصادر المتخصصة أثبتت أنها قطعة من مجموعة (Rose des Vents) لدار "ديور" (Dior Fine Jewellery)، ما يؤكد أن بعض الزخارف النجمية والهندسية قد توحي بالخط، لكنها ليست كذلك.

ينطبق هذا على قطع أخرى من دور عريقة مثل "كارتييه" (Cartier) و"فان كليف أند آربلز" (Van Cleef & Arpels)، والتي تزينت بها، حيث تميل إلى الطابع الشرقي دون أن تكون بالضرورة قطعاً خطية.


الشيخة موزا بقلادة حملت لفظ الجلالة

الشيخة موزا بقلادة حملت لفظ الجلالة

2024: لفظ الجلالة في قلب الذهب

في 26 مايو/أيار 2024، وخلال استقبالها وفداً أميركياً متخصصاً في أبحاث التوحد، خطفت الشيخة موزا الأنظار بقلادة ذهبية طويلة يتوسطها حجر أزرق ساحر، نُقش على سطحه بصرياً لفظ الجلالة "الله". في هذه الإطلالة، انتقلت لغة الحرف من الآية القرآنية إلى الرمز العقائدي المباشر والمكثف، مما أضفى على القطعة بُعداً روحانياً راقياً.


الشيخة موزا بعباءة حملت شعر محمد درويش

الشيخة موزا بعباءة حملت شعر محمد درويش

2025: محمود درويش يزين العباءة.. والاسم يتحول إلى توقيع

شهد عام 2025 التحول الأبرز، حيث انتقل الحرف من المساحة الصغيرة للمجوهرات إلى فضاء الملابس الواسع. في فبراير/شباط 2025، تألقت بعباءة من تصميم "المهفهف"، حملت بيتاً شعرياً لمحمود درويش: "سنكون يوماً ما نريد، لا الرحلة ابتدأت ولا الدرب انتهى". لم يكن اختيار درويش صدفة، بل إدخالاً واعياً للأدب والذاكرة العربية في صميم الموضة.

ولم تتوقف الخصوصية هنا؛ ففي إطلالة أخرى، ظهرت بعباءة فضية مخملية صُممت خصيصاً لها، نُسج عليها اسمها "موزا" بالعربية. هنا، تحول الاسم الشخصي إلى زخرفة، والزخرفة إلى توقيع أثبت مكانتها كملهمة قادرة على إعادة صياغة مفهوم "الأزياء المحتشمة" (Modest Fashion) بلغة معاصرة.


الشيخة موزا بعباءة مطرزة

الشيخة موزا بعباءة فضية منقوشة

الحرف كمنظومة ثقافية متكاملة

ولم تكن هذه الخيارات الجمالية في عالم الأزياء وليدة اللحظة، بل هي امتداد طبيعي لمسار مؤسسي وثقافي طويل قادته الشيخة موزا لحماية اللغة العربية وتعزيز حضورها.

وذلك بدءاً من دورها كمبعوثة لليونسكو عام 2003، وتأسيسها "حديقة القرآن النباتية" عام 2008 التي دمجت البيئة بالنصوص الإسلامية (كشجرة السدرة)، مروراً بافتتاحها معرض "عزف الحرف" عام 2012، وإطلاق "المنظمة العالمية للنهوض باللغة العربية" (WORAL) عام 2013 لترسيخ الهوية لدى الأجيال عبر المنتديات المتخصصة، وصولاً إلى رعايتها لقمة (TEDinArabic) عام 2023 لنقل لغة الضاد إلى العالمية، وتكريم مسيرتها في مركز الشفلح عام 2024 بعمل الفن العام (Infinity Love) للخطاطة بشاير البدر، لتشكل كل هذه المحطات المتراكمة الجذور العميقة التي أثمرت لاحقاً هذا الحضور البصري الاستثنائي للخط العربي في تفاصيل إطلالاتها.

في النهاية، تتوزع خزانة الشيخة موزا بين أربع لغات للحرف: النص القرآني، الرمز الديني، القصيدة الشعرية، والاسم الشخصي. إنها لا ترتدي الموضة وحسب، بل ترتدي الهوية، لتثبت للعالم أن الأناقة الحقيقية هي تلك التي تمتلك جذوراً، وتقرأ بلغة الضاد.

المجلة الالكترونية

العدد 1098  |  تموز 2026

المجلة الالكترونية العدد 1098