زيارة خاصة إلى منزل Louis Vuitton مشغل آنيير حافظ تراث الإسم العريق وحارس تطوّره
ما الذي يمكن أن يكون أشد متعة من زيارة باريس لتلبية دعوة إلى الغداء في بيت عريق صدّر ويصدّر الفخامة والأناقة إلى مدن العالم كلّه وعلى امتداد المراحل الزمنية منذ عام 1854؟ خلال يوم باريسي مشمس لبّينا دعوة باتريك لوي فويتون حفيد لوي فويتون وابن الجيل الخامس ضمن هذه العائلة الشهيرة بالمساهمة في تحويل السفر إلى فن، وفي إنتاج حقائب على اختلاف استعمالاتها تتحدّى الزمن وتمثّل نموذجاً لما يمكن أن يكون العمل الحرفي الرفيع والمتين والأصلي.
ليست آنيير بعيدة عن قلب باريس، هي منطقة هادئة اختار لوي فويتون أن ينقل مشغله إليها عام 1858، بعد أربعة أعوام فقط من تأسيس شركته بعدما فاجأه النجاح الهائل لحقائب السفر الكبيرة التي صنعها.
من باريس وصلنا سريعاً إلى دنيا لوي فويتون في آنيير، المؤلفة من منزل العائلة ومتحف السفر والمشغل. وصلنا إلى حديقة بديعة حيث استقبلتنا متحدثة باسم الدار لطيفة إلى أبعد الحدود، ومن هناك انطلقنا في رحلة إلى عالم لوي فويتون العائلي والحميم والسحري أيضاً. في منزل العائلة استقبلنا باتريك لوي فويتون، المسؤول الأول عن الطلبات الخاصة التي تنفذ في مشغل آنيير. جلسنا حوله نتبادل أطراف الحديث، ونتعرّف إلى بعض أسرار مؤسسة عائلية نجحت من جيل إلى آخر في الاحتفاظ بالسرّ الأهم، نجاح اسم لوي فويتون وتطوّر هذا النجاح مع تطوّر الزمن.
المنزل
عام 1878 انتقل لوي فويتون وعائلته للعيش بين منزلين بناهما في الحديقة المحيطة بالمشغل. وبعد وفاته عاش ابنه جورج مع عائلته في المنزل الذي أتيحت لنا زيارته. ثم اهتمت الأجيال المتعاقبة من ورثة الاسم العريق بالمنزل الذي جلسنا في غرفة استقباله، هذه الغرفة التي لم يتغيّر ديكورها مع باقي أركان المنزل منذ تركها آخر جيل من سكّانه، المدفأة المؤطرة بالسيراميكك الأزرق والجدران المغطاة بألوان دافئة من القشدي إلى الوردي والأخضر، النافذة الزجاجية العريضة التي يظهر من خلفها بهاء الحديقة، والتي تكمل روعتها قطع من الزجاج الملوّن والمزخرف برسوم الزهور.
في المشغل القريب من البيت، بدأ باتريك لوي فويتون التدرب من الصفر على العمل الحرفي الذي هو أساس شهرة الدار. عمل في النجارة واكتشف عالم الأخشاب وأنواعها وخصائصها وكيفية الاستفادة منها لصناعة حقيبة السفر الكبيرة أو الصندوق الذي قدّم للوي فويتون الجد فرص النجاح وبناء الاسم العريق. حقيبة السفر المسطّحة هي القطعة الأولى التي ابتكرها لوي فويتون ليجمع فيها بين المتانة والأناقة، وهي القطعة التي عرفت سريعاً الانتشار حتى أصبحت أسطورة في عالم السفر. كان باتريك متعلّقاً بجدته التي عاش معها في آنيير. «وحدي بين إخوتي ورثت الصنعة. علاقتي القوية بجدتي شجعتني على دخول المشغل».
يجيب عن سؤالنا عن الزواج بين الابتكار وبين العراقة في مؤسسة تتطوّر من جيل إلى جيل. «ندرس التوازن بين نسبة الابتكار ومستوى المنتج الأساسي الذي يحمل قيم الدار ويمثلها. على سبيل المثال عندما رسم الفنان الياباني تاكاشي موراكامي ألوانه على حقائب لوي فويتون، جرّبنا الرسوم في البدء على قطع الدار الكلاسيكية. يجب أن يبرز تراث الدار في قطعة مبتكرة، خصوصاً أنه يصعب تسويق قطعة مبتكرة مئة في المئة».
ورث باتريك فن صناعة حقائب السفر الكبيرة التي يقول إنها ما زالت رائجة خصوصاً بين زبائن ورثوا بدورهم مثل هذه الحقائب من أهلهم ويعودون لإصلاحها أو لشراء غيرها. وفي هذا الصدد يحكي قصصاً طريفة وأخرى مشوّقة عن زبائن زاروه لتعلّقهم بحقائبهم.
«زارتني كاترين دونوف هنا، حاملة علبة جواهر جميلة، أرادت أن تصلح المقبض. عندما رأيت العلبة عرفتُ مباشرة في أي عام صنعت، لكن كاترين لم تقبل أن أكشف لها التاريخ بل لم تود أن تصدّقني. ما إن أفتح العلبة يمكنني أن أعرف في أي عام صُنعت. وهناك ممثلة يابانية مشهورة تملك صندوقاً أو حقيبة كبيرة كانت لمارلين مونرو. عرفنا من مالك الحقيبة الأصلي هوية صديق مارلين في مرحلة زمنية معينة. فلكل زبون ملفّ ندوّن فيه تاريخ امتلاكه الحقيبة وعدد الحقائب التي يمتلكها. تصادفنا قصص شخصية وحميمة خلال بحثنا عن تاريخ الحقيبة». ما هو سرّ نجاح لوي فويتون باختصار؟ يقول باتريك «الخلطة السحرية بين التراث والابتكار، وجودة المواد والخدمة وطريقة البيع ومستوى الزبائن أيضاً».
في المشغل
أكملنا الحديث في غرفة الطعام حول مائدة ازدانت بوسائل تقديم الطعام الأكثر أناقة وبساطة وبأكواب شفافة محفورة عليها زهرة لوي فويتون الشهيرة. امتدّ تأثير الجوّ اللطيف نفسه ليشمل جلسة الغداء مع باتريك في قاعة زُيّن كلّ ما فيها، من الجدران الملبّسة إلى الأنوار الجانبية برموز دار لوي فويتون.
بعد الغداء انتقلنا إلى المشغل القريب من البيت. وهناك دخلنا عالم لوي فويتون السرّي، حيث تلتقي الدقّة والابتكار والفخامة والجودة والتراث. من المساحات المخصّصة للنجارين إلى تلك التي تشهد تغليف العلب بأجود أنواع الأقمشة. يجلس الحرفيون من أجيال مختلفة، منكبّين على قطع جلد أو قماش أو خشب ستصبح تحفاً صغيرة أو كبيرة ممهورة بالتوقيع الشهير. هنا تنتج الحقائب الكبيرة والطلبات الخاصة. وقد شهد مشغل آنيير مرحلة سطوع اسم لوي فويتون التاريخية ولا يزال مركزاً مهماً يؤدي دوراً أساسياً في تكريس رقيّ الاسم وارتباطه بالعمل الحرفي المتقن والجودة.
خلال قرن مضى، وبين عامي 1859 و1977 كان هذا المشغل المكان الوحيد الذي يشهد ولادة قطع لوي فويتون قبل أن تفتح الأسواق الجديدة أبواب بلاد العالم أمام الاسم الفرنسي، ويصبح مشغل آنيير الأب الشرعي لمشاغل عديدة تصنع فيها حقائب ومنتجات لوي فويتون الفاخرة. لكن يبقى مشغل آنيير الرمز الحيّ لعبقرية لوي فويتون التي جمعت بين التراث والابتكار. وما زال هذا المشغل مسؤولاً عن إنتاج حقائب السفر الكبيرة وعن تنفيذ الطلبات الخاصة وحقائب اليد الفخمة المصنوعة من جلود نادرة وتلك المحدودة الكمية التي تُنتج خصيصاً لعروض أزياء لوي فويتون. وقد أعيد افتتاحه في يناير 2005 بعد تجديده من الداخل مع الحفاظ على التصميم التاريخي لواجهاته الخارجية. وبرغم تطوّر أدوات العمل الحرفي وأساليبه، لم تتغيّر معظم أدوات وتقنيات الحرفيين ال185 العاملين فيه. وما زال مبدأ التدريب سائداً، كي ينقل الحرفيون الكبار مهاراتهم للحرفيين الشباب مما يضمن تطوّر إبداع العاملين على إنتاج تحف اسم لوي فويتون مع الحفاظ على تراث الاسم نفسه.
تجوّلنا في القاعات، بين حرفيين نساء ورجال، بين شابات وشبان في مقتبل العمر يتلقّون أسرار المهنة من الأكبر سنّاً، من معلّمين يتمتعون بحريّة تطوير نظام التصنيع وينكبّون على إنتاج التصاميم، بعضها قديم من تراث لوي فويتون وقد تمّ تجديده. هؤلاء حراس المحافظة على التوازن بين التراث والحداثة، يمثّلون روح التحدّي الدائم حين تخدم التكنولوجيا الحديثة أصحاب الحرفة الموهوبين. تفرّجنا على ألوان مدهشة، ألوان الجلود والأقمشة المخملية التي تستخدم لأقسام الصناديق الداخلية، وعلى أشكال يصعب التأكد من وظيفتها، علب للقبعات وأخرى للأكواب بكل بساطة أو للآلات الموسيقية. كلّ هذا اكتشفناه في قلب المشغل الذي يشكّل جزءاً من طبيعة المكان، وتتسلّل إليه أشعة الشمس ونور الإبداع، خصوصاً أن لوي فويتون حرص في التصميم الأول لهندسة المشغل على أن يدخله الضوء من جهات مختلفة لتسهيل عمل الحرفيين وضمان دقّته.
الطلبات الخاصة
تمثّل الطلبات الخاصة أهم تقاليد الدار العريقة التي تسعى إلى تلبية رغبات الزبائن وتحقيق ما رسمته مخيلاتهم، من السرير الموضّب في حقيبة كبيرة الذي صمّمه لوي وجورج فويتون (لبيار سافورنيان دو برازا عام 1875)، إلى حقيبة مستحضرات التجميل المطبّعة بنقش المونوغرام الشهير التي صُمّمت للممثلة الأميركية شارون ستون، إلى العلبة الخاصة بالأوشام التي صُمّمت لرسام «التاتو» سكوت كامبل. وثمة نوعان من الطلبات: تلك التي تتضمّن تعديلات خاصة على قطع من المجموعات الدائمة، والطلبات المنفّذة بعد إطلاق العنان لمخيلة الزبون ومخيّلة أحد ممثلي المؤسسة قبل أن يطلق العنان أيضاً للحرفيين لإظهار مهاراتهم. هذه الطلبات كلّها التي يصل عددها إلى 450 قطعة في العام، تنفذ في آنيير التي تعتبر مركز الطلبات الخاصة منذ عام 1861. وكل قطعة ينفذها منذ البداية حتى النهاية الحرفي نفسه، ويستمر العمل عليها أشهراً طويلة. من الخزنة الخاصة بالسفر إلى المكتبة المتنقّلة، تولد المشاريع كلّها في «مختبرات» مشغل آنيير، ومن هناك تنطلق إلى مدن العالم المختلفة وتطوف بقاع الأرض. هذا القسم المهمّ لدى الدار التي توسّعت على مرّ الأعوام لتنتج الأزياء والأحذية والساعات، أشرف عليه باتريك لوي فويتون، الحرفيّ الموهوب، وعاشق الرسم الآن، الذي يذكّر دوماً بأن أهم شروط الطلب الخاص هو احترام روح السفر والتحرّك «أرفض تصميم الأثاث. الأمر متعلّق بالحركة. لا ينفذ أي حرفي إلا ما يسهل نقله». هذا ما يؤكد عليه باتريك من أجل الإخلاص لمهنة لوي فويتون الأصلية، موضب حقائب الامبراطورة أوجيني المفضّل الذي بنى «إمبراطوريته» على فن السفر.
شاركالأكثر قراءة
إطلالات النجوم
أنجلينا جولي بإطلالة ناعمة تجمع بين الأبيض...
إطلالات النجوم
كيف أحدثت إطلالات أسماء جلال الجدل في "السلّم...
إطلالات المشاهير
بيسان إسماعيل وأسرار اعتمادها الكروب توب...
أخبار النجوم
مريم حسين تعلن عن حملها بفيديو عفوي والجمهور...
إطلالات النجوم
من الدنيم إلى فستان الزفاف... إطلالات يارا...
المجلة الالكترونية
العدد 1094 | آذار 2026
