جرأة وتمرد: نساء يقتحمن بيزنس الشارع

القاهرة - أحمد سالم 20 يناير 2019
أن يكون للمرأة عمل خاص أمر طبيعي يشجعها عليه الكثيرون، لكن عندما يصبح مكان هذا «البيزنس» هو الشارع، فهنا يتحول التشجيع إلى رفض وإحباط ونظرات قاسية.

لكن بعض الفتيات والنساء تمرّدن على كل الصعوبات، واقتحمن «بيزنس» الشارع وحققن نجاحات، ولهذا تستحق تجاربهن التوقف عندها.


مأكولات ومشروبات طازجة

في البداية تقول ريم محمود، 27 عاماً، وهي تملك عربة لبيع الأطعمة والمشروبات في حي مصر الجديدة الراقي في القاهرة: «تخرجت في كلية الحقوق منذ ست سنوات، ولم أستطع الحصول على فرصة عمل في مجال المحاماة، وفي الوقت نفسه تكون مناسبة لظروفي الأسرية كامرأة متزوجة وأم لطفلين، فقررت تأجيل فكرة العمل والانتظار حتى تأتي الفرصة المناسبة».

وتضيف: «منذ فترة طويلة وأنا أرى عربات صغيرة لبيع الأطعمة تجوب الشوارع، وهي طريقة منتشرة في كثير من دول العالم، لكن في مصر لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منها، إلى أن وجدت بعض الشباب ينفذون الفكرة في الآونة الأخيرة، فتحمست جداً ووجدت أن الفكرة بسيطة ومسلية، فقررت صناعة العربة في أحد المحال في وسط القاهرة، بعد الاتفاق على تصميمها وتحديد اسم مشروعي الجديد، وقد بدأت العمل بعربتي الصغيرة منذ عامين تقريباً».

وتؤكد ريم التي اختارت اسم (Fresh car) لعربتها: «أقدّم الأطعمة مثل الكبدة والسجق، والحلويات مثل الآيس كريم، والمشروبات مثل الليمون والمانغو بالنعناع، وكلها أصناف مصنوعة في المنزل، وأضيف بعض الخلطات التي تمنحها مذاقاً مميزاً، ووجدت أن الإقبال كبير عليها، وكثير من الناس أعجبوا جداً بالفكرة وشجعوني على تطويرها».

وعن تأثير المشروع في أسرتها، تقول ريم: «وجدت تشجيعاً كبيراً من زوجي، الذي لم يعترض على الفكرة أبداً، ورغم اعتراض والدي ووالدتي، إلا أنهما اقتنعا فور رؤيتهما للمشروع وهو يعمل بصورة جيدة وآمنة. أما بالنسبة الى الأبناء وواجباتي المنزلية، فمعظم أوقات عملي تكون بين الثامنة مساءً والثانية عشرة ليلاً، ذلك بعد أن أكون قد أتممت كل الأعمال المنزلية».

وتشير ريم الى أن المشروعات الصغيرة مربحة إلى حد ما؛ مقارنةً بالكثير من الوظائف الحكومية، وتأمل في أن تمتلك أسطولاً من العربات لتجوب بها شوارع مصر، لكن العائق الأساس بالنسبة إليها ولكل الشباب الذين يعملون بنفس فكرتها، يتمثّل بالتصاريح من الجهات المحلية.

الزبائن من الأطفال

شيماء إبراهيم، استوحت فكرة مشروعها من ابنتها «ملك» التي تبذل معها مجهوداً مضاعفاً في رحلتها التعلّمية، وتقول عن مشروعها: «في البداية كنت أبتكر كتباً وألعاباً لكي أساعد طفلتي في حفظ دروسها بصورة مبسطة، بدلاً من التعقيدات الموجودة في الكتب. وذات يوم قررت أن أرسل أحد هذه الكتب كهدية الى معلّمة ملك في المدرسة، فأُعجبت كثيراً بالفكرة وتواصلت معي للتعرف على الفكرة. في البداية لم يكن المشروع محترفاً، بل كان مجرد هواية، لكنها أعطتني طاقة إيجابية جبارة، فأنجزت بعدها وخلال فترة قصيرة حوالى ستة كتب، ثم عرضت الفكرة على مديرة المدرسة، والتي بدورها رحّبت بالفكرة، ومن ثم اتفقنا على أن أعرض الكتب ضمن نشاطات المدرسة، وكان لي ما أردت، وبعدما رأيت نظرة الإعجاب في عيون الأطفال تشجّعت على تطوير الفكرة».

وتضيف شيماء: «الكتب تحتوي على الحروف والأرقام وصور كرتونية للحيوانات، كي تلفت انتباه الطفل وتجعله راغباً في التعلّم، وفي البداية طرحت ستة كتب في مدرسة ابنتي، وفي المعرض الثاني لبيع الكتب طرحت أكثر من 40 كتاباً، إلى أن أصبحت هذه الكتب مشروعي الخاص».

تقيم شيماء بصورة دورية معارض في المدارس وبعض الأماكن العامة لبيع الكتب التي تنتجها، إلى جانب بعض الأدوات المدرسية الأخرى التي ابتكرتها بصورة تميّزها عن تلك التقليدية، وقد لاقت فكرتها رواجاً كبيراً في الأوساط الراقية، وأصبحت تبيع منتجاتها وفق الطلب من على صفحات الإنترنت.

مشروع غير تقليدي

أمام عربتهما المزينة بأبهى الألوان، تقف سوزان سعيد إلى جانب زوجها فادي ندا في أحد شوارع حي مدينة نصر في القاهرة، حيث يديران مشروعهما الخاص بصورة يومية وهما في قمة السعادة والمرح. في البداية تقول سوزان: «كنا نفكر منذ فترة طويلة في القيام بمشروع خاص بنا بدلاً من مزاولة العمل التقليدي، ففكرنا في البداية في افتتاح مقهى، لكن وجدنا أن التكلفة ستكون عالية جداً، خاصةً أننا شابان في مقتبل العمر، ثم فكرنا في إقامة استوديو للتصوير بما إن فادي كان يعمل مصوراً، لكننا وجدنا أنها ستكون متعبة أيضاً، إلى أن التقينا أحد الشبان وهو يبيع البطاطا في الشارع إلى جانب زوجته، فتحمسنا للفكرة، وعلى الفور اتخذنا الخطوات لتنفيذ مشروعنا في تحضير السندوتشات والوجبات السريعة».

وتؤكد سوزان أنها تحمست للمشروع القائم على الـclub sandwich، وتقول: «أنا من عشاق هذا النوع من السندوتشات، ولهذا تحمّسنا لإعداد مأكولات سريعة بدلاً من الحلويات، لكن في الأسبوع الأول للمشروع الذي بدأ منذ عام ونصف العام تقريباً، حضّرنا أنواعاً كثيرة من السندوتشات لمعرفة الأصناف التي تشهد إقبالاً كبيراً من الزبائن بغية التركيز عليها. في البداية، لم يكن الإقبال كبيراً، وكنا نرى نظرات الدهشة والتعجب في عيون المارّة، لأن الفكرة رغم انتشارها كانت لا تزال جديدة على مجتمعنا إلى حد ما، مع أنها تعتبر قديمة بالنسبة الى المجتمعات الأخرى، لكن بعد ذلك زاد الإقبال وتضاعف عملنا وقوي حبّنا لمشروعنا».

Club Madness هو اسم المشروع واسم الصفحة التي أنشأها فادي وزوجته لمشروعهما على موقع «فايسبوك»، وأصبحت تضم آلاف المتابعين، والعديد من صور الزبائن. ويقول فادي: «المشكلة في مجتمعنا أن فكرة البيع في الشارع تذكّرنا دائماً بالباعة الجوّالين الذين لا يهتمون بالنظافة، فيتخذ الشخص مسبقاً، موقفاً معارضاً للبيع في الشارع، ذلك لتكوينه انطباعاً بقلّة النظافة وكثرة الحشرات الحائمة حول الطعام، لكنني وزوجتي استطعنا التعامل مع المارّة في الشارع بنفس نظافة وجودة المطاعم الكبرى، لا بل وأكثر، فنحن دائماً نهتم بتغيير ديكور العربة، ونضع القفازات لضمان نظافة الأطعمة والمشروبات».

بائعة الورود

 «بائعة الورود»، آية ذهني، 31 عاماً، تتجول بسيارتها الخاصة في شوارع الإسكندرية، عروس البحر الابيض المتوسط، لممارسة هوايتها وبيع معشوقها الأول، وهو الورد، وتقول آية عن مشروعها: «منذ عام تقريباً قررت التخلّي عن كل شيء في الدنيا والتفرّغ لبيع الورود للناس في الشوارع. كنت أعمل في إحدى الشركات الخاصة، وبما أنني أكره جداً الروتين وضغط العمل المكتبي، فكرت في استثمار حبي الكبير للورود في افتتاح مشروع لبيع الزهور في الشارع، خاصةً أن مدينة الإسكندرية تعتبر سوقاً جيداً للورود، بالتحديد على شاطئ البحر».

تؤكد آية أنها في البداية كانت تعتقد أن فكرة البيع في الشارع سهلة، وأنها مجرد وضع بعض الورود على سيارتها الخاصة ثم التجول بها؛ أو الوقوف في أحد الأماكن العامة لبيع الورد، لكنها وبعد فترة قصيرة، وجدت أن الورود وحدها لا تكفي لإقامة مشروع، فبدأت ببيع بعض الهدايا إلى جانب الورود، ورغم أن المشروع كان يرضيها إلى حد كبير، أرادت أن تطوره، فقررت افتتاح معرضها، الذي تقول عنه: «افتتحت معرضي الخاص بعد رغبتي في التوسع، ورغم صغر مساحة المعرض إلا أنه يحوي عدداً كبيراً من الهدايا وأنواعاً مختلفة من الورود، وأصبحت أتعاون مع فريق عمل يساعدني في مشروعي الذي بدأ من الشارع، وبات مصدراً أساسياً للدخل بالنسبة إليّ، ومن أهم ما يميز معروضاتي أنها في معظمها ليست هدايا جاهزة، وإنما أشياء نصنّعها بأنفسنا داخل المعرض».

تمرد ومغامرة

 تؤكد الدكتورة وجيهة التابعي، أستاذة علم النفس في كلية الدراسات الإنسانية في جامعة الأزهر، أن الفتيات يمتلكن روح المغامرة والتمرد على الأفكار التقليدية، ولم يعد معظمهن ينشغل كثيراً بآراء الآخرين في أفكارهن غير التقليدية، بل يتخذن من هجوم الآخرين عليهن سلاحاً يحفّزهن على المزيد من التصميم والنجاح.

وتشير الدكتورة وجيهة إلى أن روح التحدي والتصميم على النجاح من أول عوامل نجاح المشروعات غير التقليدية، التي يقوم بها شبان وفتيات في عصرنا؛ ويزداد الإصرار في حالتين، أولاهما إذا كان أصحاب المشروع في حاجة مادية إليه، وسبق لهم أن عانوا من البطالة التي قتلت طموحاتهم، فيجدون الملاذ والخلاص في مثل هذه المشروعات الخاصة التي تشعرهم باستقلاليتهم وقدرتهم على تحقيق النجاح بعيداً من روتين الوظيفة، والثانية إذا كان أصحاب المشروع من أبناء الطبقة الراقية الذين يعشقون التمرد الإيجابي ورفض الأفكار التقليدية؛ التي يرونها نوعاً من التخلف والرجعية، ولهذا لا بد من قهرها بالأفكار الجديدة الناجحة.

وتنهي الدكتور وجيهة التابعي كلامها، مطالبةً بتشجيع الأفكار غير التقليدية؛ طالما أن فيها فوائد للفرد والمجتمع؛ وكل عمل شريف مهما كان يجب توقير القائمين به وتشجيعهم؛ سواء كانوا رجالاً أو نساء، ومهما كانت سنّهم، لأن المجتمعات ترقى بأفكار المتمردين الذين يصممون على النجاح، وأن التعثر أو الأخطاء في الحياة تزيدهم تصميماً على النجاح.

سر النجاح

وعن التفسير الاجتماعي لهذه الظاهرة الإيجابية، تؤكد الدكتورة عنان محمد، أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس، أننا نعيش في عصر الثورة الإلكترونية التي حوّلت العالم إلى «قرية كونية صغيرة»؛ فما يجري في الشرق يعرف به الغرب في اللحظة نفسها أو خلال ثوانٍ معدودة، وقد ساعد هذا في جعل الفتيات والشبان أكثر جرأة من خلال التواصل عبر السوشيال ميديا، التي كسرت الحواجز الاجتماعية. وما يهمنا في ظاهرة «بيزنس» الشارع هو الجانب الإيجابي من خلال امتهان الشبان والفتيات، لا بل الأزواج والزوجات، مهناً غير تقليدية مع رغبة حقيقية في النجاح وخدمة المجتمع والكسب المادي الذي يحفّزهم على الاستمرار؛ والانتقال من تجربة إلى أخرى، ومقاومة عوامل الفشل، وفي مقدمها الرفض الاجتماعي الذي يبدأ من محيط الأسرة والأصدقاء والزملاء.

وتوضح الدكتورة عنان أن الأفكار غير التقليدية يمكن الوصول إليها، ومع مرور الوقت يولّد النجاح الرغبة في تحقيق المزيد من النجاح، وأهم سر للنجاح في حياة أي شخص يكمن في تحديد الهدف في حياته، وبالتالي معرفة الطريقة التي سيتبعها للوصول إلى هذا الهدف، وربما يواجه الكثير منا العقبات والأزمات في مراحل متعددة من حياته، لكن يبقى هناك من يستسلم، وآخر يصمّم على النجاح.




CREDITS

تصوير : تصوير- أحمد الشايب

ما رأيك (0)

0

0

0

0

0