تحميل المجلة الاكترونية عدد 1074

بحث

إختيار جنس الجنين

يحلم الزوجان مع بداية حياتهما الزوجية بتشكيل عائلة متنوّعة، فيأملان أن يعيشا في ثبات ونبات ويُرزقا البنين والبنات...
بيد أنّه في بعض الأحيان، قد يفضّل الأب والأمّ «تأمين» ميراث العائلة المعنويّ عبر إنجاب مولود ذكر، يحمل إسم العائلة ويكون إمتداداً لها. فيما من جهة أخرى، قد يُرزق البعض عدداً من الأطفال من الجنس نفسه ويريدون مولوداً من الجنس الآخر للتنويع.
لذلك، يتوجّه الزوجان الى إختصاصيين كي يساعدوهم في «إختيار جنس الجنين»، سواء عبر إرشادات للممارسة في البيت، من حيث نظام التغذية وتوقيت العلاقة الحميمة، وإمّا عبر تدخّل طبيّ واضح، وإجراء تقنيات حمل محضّر.  ويحصل التركيز حالياً على محاولات إنجاب صبية، خاصة في بلدان الشرق الأوسط، بسبب سيطرة المجتمع الذكوري وإعتبار الولد «أعلى شأناً» من الفتاة على عدّة أصعدة.
ولكن هذا لا يمنع أنّ البعض يريد إنجاب فتاة بشدّة، بسبب قلة الفتيات في العائلة، أو علماً منهم أنها سوف تكون ملاذهم الأوّل والأخير في سنوات شيخوختهم.

يشرح الدكتور ميشال عميره، طبيب إختصاصيّ في الجراحة النسائية والتوليد والعقم وجراحة المنظار، سُبُل إختيار جنس الجنين، سواء كان ذلك بجهد شخصيّ في حرم المنزل، أو عبر التوجّه إلى التقنيّات الطبيّة الحديثة اللازمة لتأكيد الحصول على جنس المولود المطلوب.
كما تفسر الإختصاصية في علم الإجتماع تالين حجّار، سبب تفضيل الناس المواليد الذكور في مجتمعاتنا الشرقيّة، ونظرة المجتمع إلى مبدأ تكوين العائلة.
جرت العادة إجمالاً أن يتزوّج شخصان وتتمّ عمليّة الحمل بشكل عفويّ في غضون السنة الأولى من الزواج، من دون سابق تصوّر وتصميم.
إذ يؤكّد الدكتور عميره أنّ « ٨٠٪ من النساء يحملنَ من السنة الأولى من زواجهنّ، فيما ٢٠٪ منهنّ فقط لا يحالفهنّ الحظ. لكن لا يستدعي الأمر زيارة الطبيب المختصّ قبل إنقضاء سنة كاملة على محاولة الإنجاب، إلاّ في حال كانت السيدة فوق الثلاثين من العمر.
إذ يُنصح عندها بإستشارة طبيب نسائي في الفترة الأولى من الزواج، بغية الحمل من دون مشاكل».
يفضّل بعض الأزواج، أو «يُجبرون» أحياناً على التحضير للحمل، بداعي السفر أو السن وخلافهما. لذلك يحاولون «برمجة» الإنجاب للتخطيط لتكوين العائلة. ويقول عميره «إنّ التحضير للحمل يتمّ على أساس إرادة الزوجين، إذ يسعيان للإنجاب في فترة معيّنة. عندها، على السيدة أن تبدأ بتناول مكمّلات من الأسيد فوليك الذي يخفف قليلاً من إحتمال الإجهاض، كما يمنع ظهور التشوّهات الخلقيّة عند الجنين مثل Spina Bifida أي عدم إكتمال العامود الفقري وسواها».
كما على السيدة أن تهتمّ بنظام غذائها من حيث النوعية، لتتأكّد من الحصول على كافة المغذيات الضرورية.
يمكن طبعاً إتباع بعض الإرشادات البسيطة أثناء محاولة الحمل، كي لا تبوء المحاولات بالفشل.
ويرى عميره أنه «على عكس ما هو سائد، فإنّ إغتسال السيدة بالصابون قبل العلاقة الحميمة من شأنه أن يخفّف كثيراً من فرص الحمل، لأنّ الصابون يقتل الحيوان المنويّ. لذلك يُنصح بإستعمال الصابون أقلّه قبل ساعتين من العلاقة، وإستعمال الماء في حال الضرورة.
كما من المستحسن أن تنام السيدة وتستلقي على ظهرها لنحو نصف الساعة بعد إنقضاء العلاقة، خاصة إذا كان وضع الرحم ليس مناسباً بالنسبة الى المهبل، كي يتمّ الحمل ويستطيع السائل المنويّ التثبّت. كما لا يجوز أن تغتسل السيدة فور إنتهاء العلاقة للسبب نفسه».

إختيار جنس الجنين
تاريخياً، كانت العائلات المالكة تسعى إلى تزويج وليّ العهد من فتاة تتحدّر من عائلة يكثر فيها مواليد الذكور، لإعتقادهم أنها سوف تنجب له البنين. وتفسير هذا الأمر هو أنه في تركيبة الإنسان، بعض الناس عندهم إستعداد بيولوجيّ وجينيّ أكثر لإنجاب مواليد ذكور. ومن الملاحظ أيضاً أنه في البلدان الصناعية، حيث تكثر نسبة النساء العاملات، تكثر نسبة مواليد الإناث.
ولعلّ السبب عائد إلى سوء التغذية، الذي، على ما يبدو، يحبّذ إنجاب الفتيات!
يقول الدكتور عميره «يمكن إتّباع نظام غذائي معيّن، من شأنه أن يحضّر الرحم للحمل، سواء بصبيّ أو بفتاة. إذ من المعروف أنّ بيئة الرحم الأسيدية تحبّذ إنجاب الفتيات، فيما البيئة القلوية (Basic) هي لإنجاب الصبيان. فاذا أرادت السيدة مولوداً ذكراً عليها تناول مأكولات تحتوي على نسبة عالية من الملح والبوتاسيوم، وتحتوي على نسبة متدنية من الكالسيوم والماغنيسيوم. والعكس صحيح اذا أرادات مولوداً أنثى. فالأطعمة التي تهيىّء الرحم لإنجاب الصبية هي الأرز والبطاطا والسمك والموز والليمون والبندورة ، فيما الأطعمة التي تحضّر البيئة المناسبة للرحم للحمل بالفتيات البيض والحليب ومشتقاته والبوظة والغريبفروت والأناناس والفجل والخيار والجزر».
فهذه الطريقة هي طبيعية وسهلة وتعتمد بالكامل على نظام غذائيّ مدروس، بعيداً عن التلاعب بالهرمونات.
من جهة أخرى، يجب توقيت العلاقة الزوجية، وهذا يساعد على إختيار جنس الجنين. يقول الدكتور عميره: «اذا كان المطلوب صبياً، يجب إقامة العلاقة خلال فترة الإباضة فقط. وأمّا اذا كان المطلوب فتاةً، فيجب الإكثار من العلاقة وإيقافها قبل الإباضة بيومين. فكلّما إقتربنا من فترة الإباضة، مالت الأرجحيّة نحو المواليد الذكور».
وأمّا بغية إحتساب فترة الإباضة، فيتمّ ببساطة طرح رقم ١٤ من فترة الدورة الشهرية (٢٨ يوماً أو ٣٠... حسب كلّ سيّدة) ولا يتمّ قسم الرقم على ٢ كما هو شائع.
يضيف عميره: «يمكن أيضاً للسيدة أن تغتسل بليتر ماء فاتر ممزوج بملعقة بيكربونات الصوديوم في حال أرادت صبيّاً وذلك قبل ساعتين من العلاقة، أو بليتر ماء فاتر وملعقة خلّ أبيض اذا أرادت فتاة. كما على الرجل أن يستحمّ بماء ساخن للحمل بفتاة أو بماء بارد للحمل بصبيّ. ومن المحبّذ أن يرتدي ال Boxer اذا أراد إنجاب الذكور وال Briefs أي الملابس الداخلية  الضيّقة اذا أراد إنجاب الإناث، وذلك متعلّق بدرجة حرارة الخصيتين».

تقنيّات طبّيّة
اذا فشلت المحاولات السابقة، أو أراد الزوجان تأكيد إختيار جنس الجنين بمساعدة مختصّة، فيمكن عندها التوجّه الى الطبيب الذي يقوم بسلسلة إجراءات تقنية طبية، مكلفة بعض الشيء. يفسّر عميره: «يمكن إعتماد تقنية أيريكسون Eriksson التي تقتضي بأخذ السائل المنوي من الرجل وتحضيره وخلطه مع مواد معيّنة وبرمه Spin . وبما أنّ الحيوان المنويّ الذي ينجب الصبيّ أخفّ من الذي ينجب الفتاة، يطفو على السطح ، فيما يرقد الآخر في قعر الأنبوب.
يأخذ عندها الطبيب الحيوان المنويّ المُراد ويلقّح به السيدة. نسبة نجاح هذه التقنية تتراوح ما بي ٦٠٪ إلى ٨٠٪ ».
أمّا التقنية المضمونة بنحو ٩٩٪ والتي تعطي النتائج المطلوبة فهي «ال PGD أي الإستعانة بطفل أنبوب مع إختيار الجنين قبل الزرع، أي يتمّ التشخيص قبل الزرع في الرحم. تبدأ هذه التقنية بالتحضير لطفل أنبوب عاديّ، ثمّ تُاخذ البويضات وتمزج مع الحيوانات المنويّة التي سبق ان طُبّق عليها تقنية أيريكسون! بذلك تكون نسبة الحيوانات المنوية المزروعة تميل إلى جنس الجنين المختار.
بعدها، ننتظر خمسة أيّام ونستأصل خزعة، أي نأخذ خليّة واحدة من خلايا الجنين الثمانية ونلوّنها بتقنيّة FISH التي هي كفيلة بتلوين الخلايا للتميز ما بين الجنين الذكر والأنثى. ثمّ نأخذ الأجنّة من الجنس المحدّد ونلقّح السيدة بها».

إنّ المبدأ من تطبيق تقنية ال PGD ليس إختيار جنس الجنين كأولوية، وإنما هو إختيار الأجنّة الصالحة للزرع، بعيداً عن المشاكل والأمراض والعاهات الموجودة في العائلات. وتتمّ الإستعانة بهذه التقنية منعاً لنقل الخلايا المريضة، عبر عدم زرعها أصلاً. تجري فحوص على الأمراض المتوارثة من عائلتي الأمّ والأب ويُعمل على عدم زرع الأجنة التي تحمل هذه الأمراض. إذ بعض الأمراض الجينية مثل الهيموفيليا، تُنقل فقط إلى الصبية، لذلك أي حال ظهورها عند الأجنة، لا نزرع إلاّ أجنّة الفتيات. ولا يزال حتى اليوم ممنوعاً في أوروبا تطبيق تقنية ال PGD  لأغراض غير طبيّة مثل إختيار الجنس للجنين. ولكنها مسموحة في الولايات المتحدة وبلدان أخرى. تجدر الإشارة إلى أنه عند أخذ خزعة من الجنين، يتراجع احتمال الحمل من ٤٠٪ وهي نسبة الحمل بطفل أنبوب، إلى نحو ١٧٪ أو ٢٠٪ على أقصى حدّ حالياً.

وبما أنّ دراسة الجينات Génie Génétique متطوّرة كثيراً، فقد أصبح بالإمكان حتى الإستعانة بتقنية ال PGD لإختيار تفاصيل في الجنين مثل لون البشرة ولون العينين والشعر وغيرها. لكن ما زال المشروع في بدايته ويحتاج إلى دراسات وفحوص معمّقة.
يضيف عميره: «هناك تقنية إضافية، لكنها مكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً، وهي إعتماد تقنية FISH في إختيار الحيوان المنويّ الخاص بالرجل وتلوينه وإستعمال ليزر لإختيار الحيوان المنويّ حسب جنس الجنين المطلوب».

نصائح طبّيّة
يشدّد عميره على وجوب إستشارة الطبيب قبل الإقدام على أيّ خطوة. لكنه يفضّل اللجوء إلى التقنيات الطبيعية البسيطة مثل النظام الغذائي المدروس وتوقيت العلاقة، بعيداً عن الإجراءات الطبية المكلفة والطويلة الأمدّ، إلاّ عند الضرورة.
يختم قائلاً: «على السيدة التي بلغت الثلاثين من العمر وما فوق ألاّ تنتظر سنة من المحاولات الفاشلة للحمل، بل عليها التوجّه عند طبيبها. كذلك السيدة التي تعاني مشكلات في الطمث أو مشكلات هرمونات وسواها. كما على الرجل الذي عانى سابقاً مشكلات أو إلتهابات في الخصيتين أو في الجهاز التناسلي ألاّ يهمل نفسه، فكلّ هذا من شأنه أن يؤثر على بذرته.
بصفتي طبيباً مختصاً لكن إنسان أولاً، أنصح الراغبين في تنويع العائلة بالقيام بكلّ ما هو طبيعيّ وبسيط قبل الإقدام على الخطوات الطبية التمهيدية للحمل حسب الرغبة في جنس الجنين».

مجتمع شرقيّ
المجتمعات الشرقية برمّتها ذكوريّة ويغلب عليها الطابع العائليّ والميراث والكرامة والقوّة. تقول الإختصاصية تالين حجّار «غالباً ما يريد الرجل مولوداً ذكراً يحمل إسمه ويصون عرضه ويتّكل عليه لإكمال مسيرته المهنيّة أو حتى ليعطيه الميراث. ذلك أنّ المجتمعات التي تهيمن فيها السلطة والقوّة والنفوذ لا تفكّر بالفتاة إلاّ كونها كائناً ضعيفاً يحتاج الى حماية وتكتمل سنّة حياته بالزواج.
وهي ليست بدائمة لأفراد عائلتها، فسرعان ما تنتقل إلى خانة زوجها.
لذلك يفضّل الرجل أن يكون له، على الأقلّ صبيّ. فيما من جهة أخرى، قد يطلب الزوجان إنجاب فتاة، كونهما حُرما منها، أي سبق ان أنجبا البنين، أو بسبب تفكيرهما بالمستقبل، لأنّ الفتاة هي التي ستخدم وتعطف وتساعد أهلها».
تختلف نظرة المجتمع بإختلاف العقليات والتربية والبيئة التي ينشأ فيها الإنسان. فالمجتمعات المتطوّرة لا تقيس الشخص حسب جنسه بل حسب شخصيته وقدرته وإنتاجيته. وما قد يصرّح عنه المرء علناً قد لا يكون ما في داخله.
في معظم الأحيان يُقال «خلقة كاملة نعمة زائدة»، وعندما يرزق الزوجان طفلة، قد يخيب الأمل، خاصة عند الجدين والأقارب في البداية. إلاّ أنه مع التطوّر هذا وفي عصرنا الحالي، باتت الفتاة تضاهي الشاب في كلّ شيء، فتعمل وتعيل وتخدم وتنتج مثله.
ترى تالين حجّار أنّ «نظرة الإفتخار التي ينظر بها الرجل إلى مولوده الذكر متأتية من نظرة المجتمع تجاهه، إذ يعتبر أنّ الذي ولد سوف يكون إمتداداً لشجرة العائلة وصخرة يتّكئ عليها في شيخوخته».
قد يسعى الزوجان إلى إختيار جنس الجنين بعكس ما قد رزقا به طبيعياً، حباً بالتنويع أو «طمعاً» بما لا يملكان. لكن يبقى أنّ لا شيء يعلو على القدرة الإلهية ولا يمكن تحدّي الخالق وإختيار الجنين كمن يختار مشترياته وينتقي من الماركات المعروضة والسلع المتوافرة.
إنّ الطفل هدية مقدّسة من لدى الله، وعلى الأهل أن يعرفوا مدى النعمة التي تحلّ عليهم عندما تكبر العائلة وتتكاثر البشرية.
في النهاية، تقول حجّار «بسبب الوضع الإقتصاديّ الراهن، يفكّر الأزواج ملياً قبل الإنجاب، تحسّباً للمستقبل وحاجات الطفل. لذلك، قد يفكّرون بطفل أو إثنين على الأكثر. ومن هذا المنطلق، قد يلجأون إلى تقنيات إختيار جنس الجنين ليُرزقوا صبياً وبنتاً. ولا تزال نسبة الذين يبغون حقاً مولوداً أثنى أدنى بكثير من الذين يطمحون الى إنجاب صبيَ، بسبب التقاليد والعادات الشرقية».

 

المجلة الالكترونية

العدد 1074  |  أيار 2024

المجلة الالكترونية العدد 1074