black file

تحميل المجلة الاكترونية عدد 1096

بحث

إيمان الهاشمي... أبرز الأسماء النسائية في المشهد الموسيقي الإماراتي

إيمان الهاشمي... الموسيقى من أقوى أدوات العلاج النفسي

إيمان الهاشمي

بخطوات ثابتة وموهبة راسخة، تمكّنت الدكتورة إيمان الهاشمي من حجز مكانة خاصة لها في الساحة الفنية الخليجية، من خلال ابتكارها نمطاً مختلفاً في الموسيقى الكلاسيكية والتأليف الأوركسترالي، لتصبح أول ملحّنة وموزّعة موسيقية إماراتية، وأحد أبرز الأسماء النسائية في المشهد الموسيقي الإماراتي. ارتبط اسم الهاشمي بآلة البيانو، وهي من أوائل الإماراتيات اللواتي برزن في مجال التلحين والتوزيع وحملن الموسيقى الإماراتية نحو العالمية. ولا تقتصر موهبة الفنانة الإماراتية على التأليف والتوزيع فقط، بل تمتد إلى الكتابة والشعر والرسم أيضاً، ما يجعلها مؤثّرة في جيل كامل من الفتيات ونموذجاً للفنانة متعدّدة المواهب. تبرع الهاشمي في التعبير عن مشاعرها وأفكارها من خلال شغفها بالفن، حيث صنعت أسلوباً خاصاً يمزج بين الموسيقى الخليجية والآلات الغربية في أعمال أوركسترالية معاصرة، وتواصل ترسيخ حضورها العالمي، من خلال مشاركتها في حفلات وعروض موسيقية عالمية، لتؤكد أن الموسيقى قادرة على تجاوز الحدود وصناعة هوية فنية خاصة.


- كيف بدأت رحلتك مع عالم الموسيقى والتلحين؟ ومَن ساهم في تشكيل هويتك الموسيقية؟

رحلتي مع الموسيقى بدأت منذ الطفولة، حين كان الشغف يسكنني قبل أن أعيه، فقد وجدت في البيانو صوتي الأول للتعبير. ولعل اللحظة المفصلية التي حسمت قدري الفني كانت في عام 1987، حين كان أول ظهور رسمي لي كعازفة وأنا لا أزال طفلة، عندها أدركت أن الموسيقى ليست هواية عابرة، بل لغة حياة أترجم من خلالها ما تعجز عنه الكلمات. أما عن هويتي الموسيقية، فقد تشكّلت بفضل "مثلث" من المؤثّرات: عائلتي التي كانت الركيزة الأولى ومَن منحني الثقة للانطلاق، وأيضاً الأعضاء الداعمون في جمعية "المناعة الذاتية"، التي أسّستها لتصبح الأولى عالمياً من نوعها وشموليتها، حيث نقوم في هذه الجمعية بمبادرات عدة، لا سيما العلاج بالموسيقى. ثم يأتي الإحساس العميق والتجربة الذاتية التي صقلتها بالتعلّم المستمر، وصولاً إلى هويتي كامرأة إماراتية تحمل رسالة وطنها إلى العالم. أنا اليوم لا أؤلف الموسيقى فحسب، بل أبني جسوراً من "الدبلوماسية الناعمة"، وأروي من خلال النوتات قصّتي وقصّة وطني.

- كيف تصفين أسلوبك الموسيقي؟ وما الذي يميّزه عن أساليب غيرك من المؤلفين الموسيقيين؟

أسلوبي الموسيقي هو حوار بين الأصالة والمعاصرة، ومزيجٌ ينبض بالإحساس العميق والهوية الإماراتية. أحرص دائماً على أن تكون موسيقاي صادقة قبل أن تكون جميلة، لأن الصدق هو ما يمنح اللحن روحه الحقيقية، ويصل به مباشرةً إلى قلب المستمع من دون الحاجة إلى مترجم. أسلوبي لا ينتمي إلى قالب أو قيد واحد، بل هو مساحة حرّة ومفتوحة، يجمع بين البناء الأوركسترالي للموسيقى الكلاسيكية بروحها العميقة، واللمسات العربية والخليجية الدافئة، مع تأثّر واضح بمختلف المدارس العالمية، فأنا أؤمن إيماناً تاماً بأن الموسيقى هي لغة واحدة، لكنها متعددة اللهجات. أما ما يمّيز هويتي الموسيقية، فهو أنني لا أتعامل مع الموسيقى كفنٍ وقواعد أكاديمية، بل كوسيلة تعبير إنساني وسردية متكاملة، وبالتالي تأتي ألحاني نابعة من التجربة الحقيقية وتفاصيل الحياة اليومية، لتكوّن قصصاً تُعزف، كما أحرص بشدّة على أن تحمل كل مقطوعة بصمة وطنية، بحيث يشعر المستمع بروح الإمارات حتى وإن لم يرَها، فالموسيقى بالنسبة إليّ هي ذاكرة وهوية تُحكى بالنَّغم.

- من أين تستمدّين إلهامك عند العمل على أي لحن جديد؟

أستمدّ إلهامي من الحياة بكل تفاصيلها، من المشاعر الإنسانية العميقة، ومن التجارب التي أعيشها أو أراها من حولي، فكل إحساس صادق بالنسبة إليّ هو مشروع لحن ينتظر الولادة. كما يظل وطني الإمارات بمثابة البوصلة الملهمة، بما يحمله من تاريخ عريق وثقافة وهوية غنية، إضافة إلى الإنسان نفسه وقصصه وتحدّياته وقوّته في مواجهة الحياة. وأحياناً، يولد الإلهام من لحظة صمت مهيبة، أو موقف عابر يترك أثراً داخلياً ينمو ليتشكّل كفكرة موسيقية متكاملة، ولعل تجربتي في العمل الإنساني، وتحديداً من خلال جمعية "المناعة الذاتية (AIA)، منحتني بُعداً أعمق في فهم فلسفة "الألم والأمل"، وهذا ينعكس بشكل مباشر في ألحاني، حيث أسعى دائماً لتحويل المعاناة إلى طاقة إيجابية ونغمات تُشعر الإنسان بأنه ليس وحده في مواجهته. أنا لا أبحث عن الإلهام بمفهومه التقليدي، بل أؤمن بأن الإلهام هو مَن يجدني عندما أكون صادقة تماماً مع إحساسي ومع رسالتي كإنسان.

- كيف تنظرين إلى دور المرأة في المجال الموسيقي في الخليج والوطن العربي؟

تعيش المرأة في الخليج والوطن العربي مرحلة تحوّل حقيقية، فهي لم تعُد مجرد مشارِكة عابرة، بل أصبحت شريكاً فاعلاً وصانعة أصيلة للمشهد الفني. هناك حضور متنامٍ ولافت للمواهب النسائية، وقدرة واضحة على الإبداع والتأثير متى أُتيحت لها الفرصة. بالنسبة إليّ، لا أنظر لكوني "أول مؤلّفة موسيقية إماراتية" كإنجاز شخصي فحسب، بل كمسؤولية وطنية ورسالة تفتح الطريق أمام غيري.

- كيف ترين تطوّر الموسيقى في الخليج؟ وما الذي ينقص المرأة الخليجية لإيصال موهبتها؟

لم يعُد المشهد الموسيقي في الإمارات والخليج في مرحلة التشكّل، بل دخل مرحلة التمكين والريادة، حيث نشهد اليوم بُنية ثقافية متكاملة، واستثماراً حقيقياً في الفنون، ووعياً متزايداً بأهمية الموسيقى كجزء من الهوية الوطنية وصناعة التأثير الثقافي. ففي دولة الإمارات تحديداً، لم يعُد الإبداع خياراً فردياً، بل أصبح مشروع دولة يدعم المواهب ويمنحها منصّات حقيقية للوصول إلى العالمية، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية التي تميّزنا. أما المرأة الخليجية، فهي اليوم لا تحتاج إلى إثبات موهبتها، بل إلى مساحات أوسع للقيادة واتخاذ القرار. أعتقد أن ما ينقصها ليس القدرة، بل أحياناً الجرأة في اقتحام المشهد، والدعم المستمر الذي يضمن استدامة حضورها.

- ما هو العمل الموسيقي الذي تعتبرينه نقطة تحول في مسيرتك؟ ولماذا؟

أؤمن بأن مسيرتي الموسيقية ليست قائمة على عمل واحد فحسب، بل هي نتاج محطات تراكمية شكّلتني تدريجاً، لكن التحوّل الحقيقي حدث عندما انتقلتُ من مرحلة التعبير الشخصي إلى مرحلة التأثير الأوسع. أبرز نقاط التحوّل تتمثل في تلك اللحظات التي مثّلتُ فيها هوية وثقافة دولة الإمارات في المحافل الدولية الكبرى، ففي تلك المناصب، لم أكن أقدّم موسيقى مجرّدة، بل كنت أحمل رسالة وطن، وهو ما غيّر نظرتي لدوري من فنانة تؤلّف الألحان إلى صوت يحمل أمانة حضارية. كما أن الأعمال التي ارتبطت بالجانب الإنساني، وتحديداً ما قدمتُه من خلال جمعية "المناعة الذاتية"، كانت انعطافة جوهرية في مساري، حيث وطّدت علاقتي بالموسيقى كأداة للتأثير والعلاج النفسي، وليس كفنٍ للترفيه فقط.

- ما التحدّيات التي واجهتكِ كسيدة إماراتية بعد قرارك احتراف تأليف الموسيقى؟

التحدّيات لم توقفني يوماً، بل هي التي صنعتني. ففي البداية، لم تكن التحدّيات مرتبطة بالموسيقى كفن بحد ذاتها، بل بالفكرة، وبالتالي كان التحدّي الأول هو كسر الصورة النمطية، وإثبات أن ابنة الإمارات قادرة على التميّز في أصعب القوالب الموسيقية العالمية التي كانت لزمن طويل حكراً على الرجال. لكن التحدّي الأكبر والأكثر تأثيراً في رحلتي كان اختباراً صحياً وإنسانياً بامتياز، إذ إن إصابتي بأحد أمراض المناعة الذاتية شكّلت أساساً حقيقياً لإرادتي ومنحت موسيقاي معنىً أعمق وأعادت تشكيل رؤيتي للفن، حيث أصبحتُ أرى الموسيقى وسيلةً للشفاء، وأداةً لتحويل الألم العابر إلى أملٍ باقٍ.


الدكتورة إيمان الهاشمي

الدكتورة إيمان الهاشمي

- ما الرسالة التي تسعين لإيصالها الى العالم من خلال أعمالك الموسيقية؟

رسالتي تتجاوز حدود النَّغم، فهي بالنسبة إليّ وسيلةٌ للتواصل الإنساني العميق، وجسرٌ عابر للقارات يصل بين القلوب مهما اختلفت اللغات والثقافات. أنا أؤمن يقيناً بأن الموسيقى قادرة على حمل مشاعر تعجز الكلمات عن وصفها، لتصل إلى الإنسان في أصدق حالاته وأعمق تجلياته. وأسعى من خلال أعمالي لإيصال فكرة جوهرية: أن الفن ليس للترفيه فحسب، بل هو طاقة حيوية قادرة على الشفاء وإحياء الأمل في أصعب اللحظات. كما أحرص على أن تعكس موسيقاي هويتي الإماراتية والعربية بروح معاصرة، لأقدّم للعالم صورة حضارية راقية عن ثقافتنا.

- ما تأثير السوشيال ميديا والمنصّات الرقمية في انتشار موسيقاك؟

أعتبر السوشيال ميديا والمنصّات الرقمية بمثابة جسرٍ عابرٍ للقارات، لم يختصر المسافات فحسب، بل قلّص المسافة بين الإحساس والإنسان، فالموسيقى التي كانت يوماً حبيسة القاعات المغلقة، أصبحت تنساب بهدوء لتصل إلى قلب الإنسان أينما كان، كأنها تعرف طريقها إليه. بالنسبة إليّ، لم تكن هذه المنصّات مجرد وسيلة انتشار، بل مساحة لقاء إنساني صادق، أرى من خلالها كيف يمكن نغمة واحدة أن تلامس روحاً مُتعبة، أو تعيد الأمل إلى قلبٍ أنهكه الصمت. وأنا أؤمن بأن هذا العالم الرقمي، رغم اتّساعه، لا يختبرنا بقدرتنا على الوصول، بل بقدرتنا على البقاء صادقين وسط الضجيج.

- برأيك، كيف يمكن دعم المواهب النسائية في عالم الموسيقى في الوطن العربي؟

أعتقد أن دعم المواهب النسائية في وطننا العربي لا يحتاج إلى خطط، بل إلى الإيمان والمساحة، فالإبداع الحقيقي يولد حين تُفتح الأبواب، وتُمنح الفرصة للمرأة لتصوغ صوتها الفني بحرّية وثقة، فالدعم الحقيقي يبدأ من اللحظة التي نكفّ فيها عن التعامل مع فن المرأة كهواية جميلة أو استثناء عابر، ونبدأ في تقديره كقيمة حضارية واحترافية تستحق الاستمرارية، لا مجرد الاحتفاء المؤقت.

ما تحتاج إليه المبدعة العربية اليوم هو الثقة في قدرتها على القيادة، سواء في التأليف الأوركسترالي أو قيادة الفِرق الموسيقية الكبرى، وبعيداً من القوالب الجاهزة التي حُصرنا فيها لسنوات، نحن بحاجة إلى بيئة تسمح لها بأن تجرّب، وتخطئ، وتتعلّم، وتصل بصوتها الخاص بدون قيود نمطية، لأن الموهبة النسائية العربية ليست احتمالاً، بل طاقة كامنة تنتظر أن تُمنح مساحتها الحقيقية، وحين يحدث ذلك، لن تكتفي بالظهور، بل ستُبهر العالم وتُعيد تشكيل المشهد الموسيقي بلمسة إنسانية صادقة، فنحن نمتلك الصوت والإرادة وكل ما نحتاجه هو أن يُفسَح لنا المجال لنُسمِع العالم إحساسنا.

- ما المشاريع التي تعملين عليها في الوقت الحالي؟

في الوقت الحالي، أعمل على وضع اللمسات النهائية لمشروع "ترنيمة المناعة"، الذي أسعى من خلاله لتقديم عمل موسيقي يحمل قوة البقاء والأمل، ليكون صوتاً لكل مَن يواجه تحديات صحية، تأكيداً على أن الموسيقى من أقوى أدوات العلاج النفسي.

وعن التعاونات الفنية المقبلة، أنا أؤمن دائماً بجمال "التلاقي الإبداعي"، ولذلك هناك تواصل مستمر وملامح تعاون مع فنانين ومبدعين من الوطن العربي يشاركونني الرؤية ذاتها في تقديم فن يحمل هوية وقيمة حقيقية. بالنسبة إليّ، التعاون الفني ليس مجرد اجتماع أصوات أو آلات، بل هو امتزاج أرواح وثقافات لخلق أثر يبقى.

المجلة الالكترونية

العدد 1096  |  أيار 2026

المجلة الالكترونية العدد 1096