black file

تحميل المجلة الاكترونية عدد 1094

بحث

فتيات «الدي جي» DJ بين المهنة والاحتراف

منذ مدة، خاضت فتيات سعوديات، مجال تنسيق الأغاني، وتحديداً في حفلات الزفاف والمناسبات النسائية، كون العادات المحلية المحافظة، حتّمت وجود سيدات يعملن في هذا المجال، من دون قيود أو شروط، لاعتباره مجالاً مُسلياً ومُربحاً في الوقت نفسه، ولا يحتاج إلى مؤهلات علمية. فقط تكفي الممارسة لاكتساب الخبرة، وجلب الزبائن، ومعرفة أذواقهم. المئات، وربما الآلاف من السعوديات في أنحاء المملكة، يطلق عليهن سيدات «الدي جي-DJ». لكن بين ممارسة المهنة والاحتراف العالي، فرق واضح تحكمه السمعة والصيت الذائع في الأوساط النسائية والحفلات العامة... عن البداية والطموح والصعوبات، تعرض «لها» تجارب مجموعة من أبرز فتيات «الدي جي» في السعودية.

«شهد دي جي» حفلة عائلية أشعلت حماسة العمل في تنسيق الأغاني

«شهد دي جي» هو اسم الشهرة الذي عُرفت به الأختان شهد وشهندة، حيث كانت البداية ولم يتجاوزا الـ 16 عاماً بعد، حين اكتشفتا شغفهما بالموسيقى، من طريق حفلة عائلية، تولّت فيها شهد تنسيق الأغاني وترتيبها، مما جعلها تحظى بتشجيع ودعم من العائلة،  من خلال شراء أجهزة لمساعدتها في مشوار تنسيق الأغاني في الحفلات النسائية. وعلى الرغم من وجود الدعم، إلا أن الطريق لم يكن معبّداً، ولا مملوءاً بالورود، حيث احتاجت الى وقت وجهد كبيرين لتتمكن من نيل استحسان المستمعات ويتعرف المجتمع إليها وإلى عملها، خاصة قبل ظهور الانترنت والوسائل الإعلانية المتاحة في وقتنا الراهن، إذ كان توزيع البطاقات لتعريف الناس بها هو الوسيلة الإعلانية الوحيدة المتاحة لها آنذاك لإحياء حفلات الزفاف بنجاح. فهمّها كان ولا يزال إرضاء الحضور، بمختلف أذواقهم وأعمارهم، والتنويع في الأغاني على اختلافها، عربية أو أجنبية، قديمة أو حديثة، كما أنها تسعى دوماً الى توفير كل ما هو جديد ومطلوب من جانب الزبائن، سواء الأجهزة الحديثة أو أجهزة أضواء الليزر أو الأجهزة الدخانية.

العمل كـ«دي جي» لا تمنع من متابعة الدراسة وممارسة وظيفة

وتشير شهد الى أن مجال تنسيق الأغاني والعمل في حفلات الزفاف، فتحا لها الباب واسعاً لاكتشاف موهبتها الصوتية، مما جعلها تسعى الى تطوير إمكاناتها الصوتية في مجال الطرب والغناء، وتُجيّر مسألة تنسيق الأغاني الى أختها الأصغر شهندة، التي طوّرت هي أيضاً إمكاناتها من خلال التدرب على تقنيات «الدي جي» خارج السعودية، لتتفرد بما تقدمه خلال الاحتفالات التي تحييها.
يُشار إلى أن شهد وشهندة أنهتا دراستهما الأكاديمية. فـشهد تعمل ممرضة، بينما تخصصت شهندة في علم الوراثة خارج السعودية. وأكدت شهد «أن العمل في مجال «الدي جي» لا يمنع الفتاة من تحقيق طموحها في الدراسة والعمل، ويجب ألا تعتمد بشكل مُطلق على الدخل المادي الذي تتقاضاه في ليلة واحدة، والذي قد يعادل راتب شهر كامل، فلا بد من الموازنة بين الجهتين لضمان المستقبل وتحقيق الطموح». كما درّبت شهد عدداً من الفتيات الصغيرات لإحياء بعض الحفلات لتتمكن من تلبية طلبات الزبائن وإرضائهم قدر الإمكان، وعلى الرغم من انشغالها بالدراسة والعمل، رتّبت جدولاً يناسب جميع الفتيات اللواتي يتعاونّ معها.

صعوبات واحتياطات تحتّم على «الدي جي» الصبر واللباقة

وعن الصعوبات والمواقف الحرجة التي تعترض هذه المهنة، تؤكد شهد أن العمل في هذا المجال «يشكل تحدياً كون منسقة «الدي جي» تتعامل مع الزبائن على اختلاف أذواقهم، فهناك الكثير من الناس لا يمكن إرضاؤهم بسهولة، ما يتطلب هدوء الأعصاب، والتعامل معهم بذوق ولباقة وامتصاص غضبهم أو عصبيتهم في بعض الأحيان، بهدف كسب السمعة الطيبة، وإعطاء انطباع جيد، سواء من ناحية المعاملة، أو الأداء خلال الحفلة. كما نأخذ احتياطات كثيرة تلافياً لتعطل الأجهزة خلال الحفلة، كالتأكد من تحميل جميع الأغاني على جهاز المحمول، وتأمين شبكة الانترنت الخاصة بتحميل الأغاني غير الموجودة بشكل فوري، إضافة إلى الأسلاك الاحتياطية لتفادي انقطاع أسلاك السماعات، وجهاز دمج احتياطي... فكل هذه الاحتياطات وكيفية نقلها تحتاج إلى مجهود كبير»... لافتة إلى «أن أبرز الصعوبات التي تعانيها فتيات «الدي جي»، العمل لأوقات متأخرة من الليل، مما يعرضها لكثير من المواقف الحرجة».

«سوما دي جي»: فن «الدي جي» لا يعتمد على تسلسل الأغاني بل على حرفية ضبط الصوت

وعن الاحتراف في مجال «الدي جي»، تحكي سمية أحمد (22 عاماً) المعروفة بـ «سوما دي جي»، عن تجربتها في مجال تنسيق أغاني الحفلات، حيث بدأت مشوارها في عمر 17 عاماً، وقادها شغفها بالموسيقى وحبها الاطلاع على أحدث الأغاني الى مزاولة هذه المهنة، بعدما حظيت هي أيضاً بدعم من أسرتها، فتخصصت في مجال الصوتيات خارج السعودية، رغبة منها في الإتقان والحرفية. وتؤكد «أن مجال تنسيق الأغاني لا يقتصر على مجرد ترتيبها وتشغيلها فحسب، فلا بد من وجود مهارات لا تقل أهمية، من بينها الذوق الرفيع في انتقاء الأغاني، ومعرفة ضبط الصوت، وتوزيع السماعات بشكل مناسب، لتفادي حدوث الصدى، إضافة إلى المهارة الأساسية، ألا وهي فن التعامل مع الناس لإرضائهم، والالتزام بالمواعيد».
 وكالعادة، كانت البداية أيضاً صعبة بالنسبة إليها لعدم توافر المعدّات الخاصة بها، ذلك أن «ثمن النوعية الجيدة من الآلات مكلف نوعاً ما، إضافة الى عدم شهرتي بين الناس، فبعدما كنت أُحيي حفلتين فقط في الشهر الواحد، ازداد الطلب عليّ بشكل أكبر، واستطعت التوسع في مجالي، ليشمل الأضواء والتصوير النسائي وتنسيق المسارح وتوزيع بعض أصناف الحلويات بشكل جميل، إضافة إلى الفِرق الراقصة، من شبان وفتيات مدربين على أداء رقصات متنوعة، بينها الرقصات الشعبية السعودية، وعدد من الرقصات الفلكلورية الخاصة ببلدان أخرى...  ما جعلني وبكل جدارة منسقة حفلات متكاملة».

أنانية بعض الحضور وسرقة المعدّات أصعب ما تتعرض له منسقة الأغاني

وما يميز سمية أيضاً في عملها ويجعلها مطلوبة بكثرة في المناسبات، هو إتقانها دمج الأغاني ببعضها، وإعداد مزيج جميل من الأغاني العربية والغربية، مع التشجيع عبر مكبر الصوت للإبقاء على حماسة الحضور، وإبهاجهم بكل ما يتناسب مع أذواقهم وأعمارهم، حيث ترتّب الأغاني بشكل يرضي كبيرات السن أولاً، ومن ثم الشابات الصغيرات، مراعية أولاً طلب الزبونة التي تم الاتفاق معها. وترى أن الصعوبة تكمن أحياناً في بعض الحضور أو أصحاب الحفل إذ يلحّون على وضع الأغاني التي تناسب ذوقهم، من دون مراعاة أذواق الآخرين، ما يزيد العبء في إرضاء جميع الحضور.
 وتشير سمية إلى «أن عملي في مجال «الدي جي» في الحفلات وذهابي إلى مختلف الأماكن، ودخولي القاعات، عرّضتني في بعض الأحيان للسرقة، كأن تُسرق قطعة من المعدّات الخاصة بيّ، لذلك أبقى متيقظة لتفادي ذلك». وعلى الرغم من ذيوع صيتها وسمعتها، وطلب الناس المستمر لها لإحياء حفلاتهم، إلا أنها تفضل إحياء الحفلات النسائية فقط».

«ربا دي جي»:  منافسة الرجال  كانت الأصعب

أما ربا (26 عاماً) خريجة إدارة الأعمال والمعروفة بـ «ربا دي جي» فجاءت قصة اكتشاف موهبتها في تنسيق الأغاني والصوتيات، من طريق المصادفة. فحبها وشغفها وذوقها الرفيع بالموسيقى، جعلت صديقاتها وأقاربها يطلبون مساعدتها في انتقاء الأغاني المناسبة. ومن دون سابق إنذار، قامت ربا بتحميل برنامج دمج الأصوات الذي يستخدمه منسقو «الدي جي» على جهازها المحمول بهدف التسلية، لتجد نفسها تدمن استخدامه، فنسقت الأغاني على النحو الذي يعجبها، بعدما قادتها حماستها لإحياء حفلة كبيرة ضمت ما يقارب الـ 400 شخص، بينهم وجوه إعلامية، وفوجئت بأن الكثيرين تهافتوا على طلبها لإحياء حفلاتهم الخاصة، ما جعلها تفكر بالموضوع وتطرحه على عائلتها التي رفضت الفكرة في البداية، خوفاً على مستقبلها الجامعي، ولكن بعد إلحاح واقتناع، تمت الموافقة على عملها، شرط ألا يؤثر ذلك في دراستها، فتعملّت التقنيات وطورت نفسها في مجال الصوتيات، مستعينة بأحد منسّقي «الدي جي» المعروفين محلياً، وتقول: «الصعوبة في البداية لم تكن في توفير الأجهزة والسماعات اللازمة، بل في ندرة العنصر النسائي في هذا المجال في السعودية، ومنافسة منسقي «الدي جي» الرجال الذين كانوا يعملون في هذا المجال بحرفية ومنذ وقت طويل، ما يحول أحياناً دون تفوقي».

أطمح الى العالمية وإحياء حفلات أمام جماهير عريضة

وعما إذا كان تنسيق «الدي جي» مهنة أم هواية؟ تجيب ربا: «كان مجرد هواية، وتحول إلى شغف وإدمان لا يمكنني التخلّي عنه ببساطة، حتى في ظل مهنتي، حيث أتابع منسّقي «الدي جي» العرب والأجانب، وأحجز التذاكر لحضور حفلاتهم التي يقيمونها في دبي، ففي كل حفله لا أستمتع بالموسيقى كما يجب بسبب تركيزي على التقنيات والمهارات التي يتحلون بها، وأنا أتمنى الوصول الى هذه الدرجة من الشهرة، والوقوف أمام الآلاف من الناس، ومشاهدتهم يستمتعون بما أقدّمه. ورغم الرضا التام عما حققته خلال السنوات الخمس الماضية، إلا أنني أطمح الى المزيد من التطور، وأرغب في إصدار CD حين تتاح لي الفرصة».

«صوفيا دي جي»: كانت هواية وأصبحت مهنة

 حبّها للموسيقى جعلها تمتهن «الدي جي» طوال 14 عاماً. هي منسقة «الدي جي» صوفيا (34 عاماً) التي واكبت خلال عملها في هذا المجال الأجهزة القديمة من المسجّلات وأشرطة الكاسيت والـ CD، وصولاً الى أجهزة اللابتوب، و«المِكسر»، وتدرجت طوال تلك السنوات في تعلّم كل جديد، وطوّرت نفسها للحصول على رضا الزبائن، مستعينة بمهندس صوت لتتقن عملها في هذا المجال بشكل أفضل».
 ترى صوفيا «أن مجال العمل كمنسقة «دي جي»، يكاد يخلو من الصعوبات، فهو عمل مسلٍ، ممتع ومربح في الوقت نفسه، ولكنه أشبه بالدوامة التي تسحب معها حياة الشخص، وقد تسلبه طموحه في إكمال الدراسة الجامعية، حيث إنني لم أتمكن من إكمال دراستي في اللغة الانكليزية، لانشغالي الدائم وسعيي الدؤوب لنيل رضا الزبائن، والمحافظة على سمعتي الطيبة، لكنني ما زلت أتمنى أن تتاح لي الفرصة لمتابعة دراستي الجامعية يوماً ما».

المجلة الالكترونية

العدد 1094  |  آذار 2026

المجلة الالكترونية العدد 1094