تحميل المجلة الاكترونية عدد 1074

بحث

الكبار يأكلون الحصرم والصغار يضرسون زواج الأطفال: تحايُل على القانون باسم الدين والعرف وحقوقيون يطالبون بتجريمه

محمود شمس وعروسه فارس وعروسه نانسي هاني هلال الدكتورة هالة أبو علي أنس سعدون مصطفى الرميد د. أريج عودة ساما عويضة فريد الأطرش ناجح أبو شمسية

زواج الأطفال، إناثاً وذكوراً، لا يمكن أن يكون صادراً عن الأطفال أنفسهم، بل هو قرار مجحف وظالم ويكاد يرقى إلى مرتبة الجريمة، يتخذه الكبار بدافع الجهل بعواقبه، أو بدافع المصلحة، حيث يستغلُّ بعض الأهل عادات وتقاليد ومفاهيم إجتماعية ودينية مغلوطة، ويدفعون بالأبرياء من أطفالهم إلى غمار تجربة مصيرية ليسوا ناضجين ولا مؤهلين لها.

في هذا التحقيق من مصر والمغرب وفلسطين، تستعرض «لها» واقع زواج القاصرين والقاصرات، وما ينجم عنه من مشاكل.


في مصر: مشكلة قديمة.. وتتفاقم
انتشرت في مصر في الآونة الأخيرة قصص جديدة لزواج الأطفال لأسباب مختلفة، جميعها تدعو الى الدهشة. فالطفل فارس، الذي لم يتعدّ عمره الـ 12 عاماً، ويعيش في إحدى قرى محافظة الدقهلية، وجد نفسه في حفل زفاف ويتم تزويجه بفتاة عمرها عشر سنوات. والد فارس البالغ من العمر 35 عاماً، لجأ إلى تزويجه لرغبته في جمع الأموال التي منحها لأقاربه وأصحابه في مناسبات مختلفة، وهو ما يعرف في القرى بـ«النقوط». جلس الطفلان- العروسان على مقعدين فوق خشبة مسرح، وأقيمت لهما حفلة كبيرة أحيتها فرقة موسيقية وراقصات ومطربون شعبيون، وحين سأل بعض الصحافيين الأب عن سبب ما فعله، أجاب: «أنا لي نقوط كتير عند الناس وكان لازم ألمّها، ومفيش أي مناسبة لي قريبة، ومش هسمح لأحد بالتدخل في شؤون حياتي».
الأب تهرّب من الملاحقة القانونية بادعائه أن الحفل للخطبة فقط وليس زواجاً، وارتدت العروس فستاناً وردياً، إلا أن الأهالي أكدّوا أنه كان زواجاً، وأن الأب قال ذلك خوفاً من أن يتقدّم أحدهم بشكوى ضده، في الوقت الذي استطاع فيه جمع الـ «نقوط».

لدعم مصالحه التجارية
محمود شمس، طفل عمره 13 عاماً، يدرس في المرحلة الإعدادية، أعلن أهله خطوبته على إيمان، البالغة من العمر عشر سنوات ولا تزال في المرحلة الابتدائية، وينتمي الطفلان إلى مركز «السنبلاوين» في الدقهلية.
أثارت الخطوبة استهجاناً واسعاً، فخرج والد محمود مؤكداً أنّه لم ينجب غيره، وكان يتمنى أن يدعّم مصالحة التجارية ويوطّد صداقته مع والد العروس بتزويج الطفلين، فأعلن خبر خطبتهما.
الغريب أن الطفل نفسه خرج مدافعاً عن نفسه، فقال لبعض الصحافيين إنه يتعجّب من الانتقادات الموجهة إليه، لأن الخطوبة لا تتقيد بسن معينة، وما حدث أمر متعارف عليه في القرى المصرية، ومن المعتاد أن يخطب الأب لابنه ثم تتأجج المشاعر بعد الزواج، على حد قوله.
والد العروس لم يستنكر الفكرة، وقال إنه تزوّج وهو في الـ19 من عمره، وأن له ثلاث فتيات، خطّب الكبرى بينهن وهي في سن السبع سنوات لابن شقيقه، ولم يتبقّ لديه إلا الفتاة الصغيرة ذات السنوات الست، ولن يتردّد في تزويجها إذا طلبها رجل مناسب، مضيفاً في حديثه الى الصحافيين: «بنات العائلة كلهن ذوات تربية عالية... وهذه الأمور خاصة».

عمرها 15 سنة،  وتحمل لقب مطلّقة
هذه القصّة كان السبب فيها مختلفاً، فوجيه البالغ من العمر 17 عاماً تقدّم لخطبة ابنة عمّه نهى، البالغة من العمر 11 عاماً فقط لـ«يحجزها»، بعدما شعر بالخوف من أن يتقدّم لخطبتها شخص آخر... وخرج قائلاً: «أنا لسه عندي جيش وعايز أجهز نفسي وهتجوز نهى بعد 4 سنين».
قصص زواج الأطفال كثيرة، ولا تقتصر فقط على القرى الفقيرة، وإنما تحدث أحياناً في المدن، مثلاً انتشرت قصة في إحدى مدن الشرقية عن تزويج أب ابنته وهي في الـ13 من عمرها لشاب يكبرها بـ20 عاماً، بعدما نصحه شيخ بذلك، وبعد معاناة شديدة وتلقيها الضرب وتعرّضها للإهانات في بيت زوجها، أصبحت مطلّقة في سن الخامسة عشرة.

الدكتورة هالة يوسف وزيرة الدولة السابقة للسكان، كانت قد أرجعت انتشار الظاهرة في تصريحات لها، إلى وجود بيئة داعمة متمثلة في العوامل الثقافية والممارسات الاجتماعية والضغوط الاقتصادية، بالإضافة إلى بعض التحديات الخاصة بوضع الفتيات، ومنها الأمية وتدني المستوى التعليمي وزيادة عدد الفتيات في الأسرة، مشيرة إلى ضرورة محاربة الاستغلال والعنف ضد الفتيات والأمهات الأطفال، ووقف الزواج الصيفي الموقت على وجه الخصوص، مع نشر التوعية بفوائد الالتزام بالفحص الطبي قبل الزواج، وأهميته في الكشف المبكر عن مسببات الإعاقة والأمراض المنقولة جنسياً، كفيروس الكبد الوبائي والأيدز.

آلاف قضايا إثبات النسب
بسبب زواج الأطفال

«زواج الأطفال جريمة تنقسم إلى نوعين، الأول هو الخطبة، والثاني هو إتمام الزواج، والذي تعلن فيه الأسرة الزواج في حفلة كبيرة تضم الأهل والأقارب، في انتظار أن يُكمل الزوجان الثمانية عشر عاماً حتى يتسنّى لهما توثيقه»... هكذا بدأ رئيس ائتلاف حقوق الطفل هاني هلال كلامه، مؤكداً أنّ ما من جهة في مصر تمتلك إحصاءات دقيقة أو أرقاماً معيّنة عن نسبة زواج الأطفال في مصر.
ويكمل: «قبل عام 2008 كان القانون المصري لا يشترط سناً معيّنة لإتمام الزواج، ولا يمانع في توثيق زواج الأطفال في أي سن، حتى تم سن قانون الطفل الرقم 126 لعام 2008، والذي نصّ على عدم جواز التوثيق قبل 18 عاماً»... موضحاً: «مع ذلك، ما زال الأهالي والمأذونون يفلتون من العقاب، مع تراجع الاهتمام بالأطفال، لأن القانون لا يمنع الزواج الشرعي، بل التوثيق فقط، واستطعنا عام 2010 وقبل الثورة بالتنسيق مع الدولة تحويل 290 مأذوناً الى النيابة العامة، لعقدهم قران أطفال، لذا نحن نطالب البرلمان بوضع تشريع جديد يغلّظ العقوبة الواقعة على المأذون».
ويرى هلال أن هناك أسباباً كثيرة، إلى جانب الفقر، أدّت إلى انتشار ظاهرة زواج الأطفال، أهمها وجود خلاف بين رجال الدين حول «شرعية» عملية الزواج المبكّر وتباين الفتاوى حول ذلك، ففي حين يجرّمه البعض، يدعو أئمة آخرون في القرى إلى تزويج الأطفال حماية للعفة ومنعاً للفتنة، في الوقت الذي ينص فيه الخطاب الرسمي لوزارة الأوقاف المصرية على غير ذلك.
«الإرث» كان سبباً مهماً طرحه هلال للنقاش، إذ يقول إن مدن الصعيد بشكل خاص يخشى فيها المواطنون من انتقال ممتلكاتهم وأراضيهم إلى شخص غريب عن العائلة، فيقومون بتزويج أبنائهم مبكرّاً لأقاربهم داخل نطاق العائلة.
السبب الثالث، الذي يشير إليه هاني هلال، هو عدم الوعي بمخاطر زواج الأطفال، وبالتالي يتعامل المواطنون معه، خاصة في الصعيد، على أنه وضع اعتيادي ولا يبلّغون عنه، ومن ثمّ تجد الدولة والمنظمات الحقوقية صعوبة في التعرف على حالات التزويج المبكّر داخل مصر.

نتاج كارثي
ويحذّر هلال من الكارثة الكبرى التي يؤدي اليها زواج الأطفال في المجتمع المصري، وهي الطلاق قبل بلوغ السن القانونية لتوثيق الزواج، وإنجاب أطفال يرفض آباؤهم الاعتراف بهم، ويقول: «لدينا الآن في المحاكم المصرية 16 ألف قضية إثبات نسب، جزء كبير منها بسبب زواج الأطفال».
ويضيف أن غالبية تلك الزيجات يحدث بعدها انفصال بين الزوجين، لأن الطفل يكون قد أصيب بالملل من الزيجة التي لم تتعدّ بالنسبة اليه «لعبة يلهو بها»، ومن ثم لا تمتلك الفتاة بعد الطلاق أي أوراق تثبت أنّها كانت متزوّجة، أو تثبت نسب أطفالها، خاصّة أن بعض الأزواج لا يعترفون بالزواج من أساسه.
ويتابع: «كنا نضطر إلى إطلاق أسماء عشوائية على الأطفال المجهولي النسب الناتجين من الزيجات المبكّرة، وكان يتم تمييزهم في شهادات الميلاد بأنهم مجهولون، لكن قانون الطفل منع التمييز بعد ذلك، وأصبح غير معروف في شهادات ميلادهم أن أسماءهم عشوائية».

استغلال القاصرات
أما الدكتورة هالة أبو علي ، أمين عام المجلس القومي للأمومة والطفولة، والذي يمثل الجهة الأولى المعنية بالقضية في مصر، فتقول إن المجلس القومي للطفولة والأمومة يواجه تحدّي عدم توافر الإحصاءات والمعلومات الدقيقة حول الحجم الفعلي لقضية زواج الأطفال، رافضة إطلاق تعبير «ظاهرة» على القضية بدون تحديد حجمها الفعلي، ومطالبةً الجهات التي تتوافر لديها بيانات متعلقة بجرائم الإتجار بالأطفال، كوزارة الداخلية والنيابة العامة والقوى العاملة والهجرة والسياحة بالتعاون مع المجلس.
وتضيف أبو علي أن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والموروثات الثقافية والأمية، من أهم أسباب زواج الأطفال، والتي أدت إلى تغيرات كبيرة أثرت في صور الرعاية التي تتلقاها الفتيات في سن الطفولة، مؤكدة: «أصبحنا نجد أولياء الأمور يستغلون عادات وتقاليد ومفاهيم مغلوطة كستار لتزويج الفتيات الصغيرات، كما تمتد ممارسات استغلال هؤلاء الفتيات في صور مختلفة، منها عدم إلحاقهن بالتعليم، أو إخراجهن من المدرسة بحجة مساعدة الأم في المنزل، وصولاً الى استغلالهن في ممارسة مهنة «عاملات المنازل» في سن لا تتعدى الـ 12 سنة، وتركهن يواجهن المخاطر البدنية والصحية، بل والتعرض للتحرش من أجل الحصول على المال، كما يعد زواج الأطفال عموماً تكريساً لدائرة الفقر المفرغة بسبب الحرمان من التعليم، واعتلال الصحة وحجب فرص العمل الجيدة».

تعديلات تشريعية
ولفتت هالة أبو علي إلى ضرورة إجراء تعديلات تشريعية لتجفيف منابع الظاهرة، مقترحة تغليظ العقوبات الواردة في نص المادة 227 من قانون العقوبات، والتي تنص على المعاقبة بالحبس مدة لا تتجاوز السنتين للمزوجين الأطفال مبكراً، مع تشديد العقوبة بالسجن على المأذونين.
وطالبت بتعديل لائحة المأذونين، حيث إنه لم يتم تعديلها منذ فترة طويلة، بعدما طرأ على المجتمع العديد من التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبإصدار قرار فوري بالحبس الاحتياطي في مثل هذه الجرائم، إذا ما توافرت الظروف والمبررات لذلك، مع سرعة إنجاز التحقيقات، وحسن معاملة الأطفال، سواء المتهمين أو المجني عليهم أو الشهود، وأهمية الاستناد إلى حكم المادة 116 مكرر من قانون الطفل الرقم 126 لسنة 2008، الذي يضاعف العقوبة إذا ما وقعت الجريمة على طفل.
وأشارت أبو علي الى أن المجلس القومي للطفولة والأمومة أنشأ في كانون الأول/ديسمبر عام 2007 وحدة تختص بمكافحة ومنع الإتجار بالبشر، لتنبيه الرأي العام الى خطورة القضية، حتى تتسع شبكة التوعية، لتعمل حتى الآن على محاور ثلاثة، كسر حاجز الصمت ورفع الوعي بجرائم الإتجار بالأطفال، الحماية وإعادة التأهيل، الملاحقة وإنفاذ القوانين، ونجحت هذه الوحدة في إنشاء قاعدة بيانات مركزية لرصد جرائم الإتجار بالبشر، وإنشاء أول مأوى إقليمي لإعادة تأهيل الضحايا من الفتيات والنساء، ومن أبرز مهمات وحدة مكافحة ومنع الإتجار بالبشر، وضع خطة عمل وطنية لمناهضة جرائم الإتجار بالأطفال والنساء، متضمنة تدابير المنع، الحماية والملاحقة وإدراجها ضمن الخطة الوطنية للدولة، وتنشيط آليات الإبلاغ عن حالات الإتجار بالبشر وزواج الصفقة وزواج الأطفال، بالتعاون مع النيابة العامة والأمن الوطني وقطاع حقوق الإنسان في وزارة الداخلية، وتقديم الدعم القانوني لضحايا الإتجار بالبشر.


في المغرب: مغالطات كثيرة لتبرير زواج القاصرات

يثار نقاش دائم في المغرب حول زواج القاصرات، رغم أن القانون المغربي جعل سن الزواج بالنسبة الى الذكور والإناث 18 سنة، واشترط الحصول على إذن من القاضي لتزويج الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 16 و18 سنة، فيما منع القانون الفتيان من الزواج قبل 18 سنة، في وقت تطالب المنظمات النسائية المغربية، بمنع الفتيات من الزواج قبل 18 سنة وتجريمه.
ويبدو أن دعاوى ثبوت الزوجية بموجب صدور القانون الرقم 102.15 المتعلق بتعديل المادة 16 من مدونة الأسرة لمدة خمس سنوات أخرى تمتد إلى 4 شباط/فبراير 2019، تجعل الأصل في إثبات العلاقة الزوجية هو عقد الزواج المكتوب للقضاء على ظاهرة «زواج الفاتحة» الذي تواجهه القاصرات، والذي لا يزال منتشراً في أنحاء كثيرة من المغرب، لكن تطبيق هذه المادة وفق الناشطين الحقوقيين أفرز واقعاً معاكساً، حيث تحولت إلى أداة لشرعنة «الزواج العرفي» والتحايل على القانون من خلال تشجيع تعدد الزوجات وتزويج القاصرات، ومحاولة فرض سياسة الأمر الواقع على القضاء.

حالات صادمة
تُغتصب براءة القاصرات باسم الدين والتقاليد، فالأسر التي تعيش تحت خط الفقر تبيع فلذات أكبادها لأي خاطب ميسور يتقدم لخطبة ابنتهم حتى وإن تم ذلك عبر «الوكالة»، مما يجعلنا أمام ظاهرة الرق في حلّة جديدة. هكذا عبرت «ف- س» ، تنحدر من إحدى القرى المغربية، عما عانته من ضغوطات نفسية وصراع مرير مع وضع متأزم منذ ثلاث سنوات، كان ذلك عقب زواج مبكر وهي في سن 16 سنة فُرض عليها من جانب أفراد عائلتها بشخص مقيم في إيطاليا تعذّر عليه الحضور إلى المغرب لمباشرة كل الإجراءات المرتبطة بالزواج، فعهد بذلك الى والده من طريق توكيل من ابنه المهاجر، وبذلك التحقت الزوجة وفق تعبيرها بزوج لم يسبق لها أن تعرفت إليه من قبل لتمضي معه عِشرة زوجية استمرت سنة بكاملها، انتهت بحمل أعقبه مخاض عسير اضطرت معه إلى الانتقال إلى أحد المستشفيات الكبرى في مدينة ميلانو حيث أفضى الوضع إلى ولادة الجنين ميتاً، فيما انفجر رحم الأم لتدخل عقب ذلك في غيبوبة استمرت على حد قولها حوالى 40 يوماً. وبعد فترة نقاهة أمضتها في المستشفى، تؤكد الضحية أن زوجها نقلها إلى منزل والديه في المغرب حيث مكثت لديهم قرابة سنة ونصف السنة من دون أن يكلف نفسه عناء الاتصال بها بعد عودته إلى إيطاليا للاطمئنان على أحوالها الصحية. وبعد مرور سنتين، عاد الزوج ليفاجئ زوجته برغبته في الانفصال عنها لكونها لم تعد أهلاً للإنجاب بعد استئصال رحمها، ولكون القانون الإيطالي لا يسمح بتعدد الزوجات، لتكتشف الضحية أن إصرار الزوج على إبقائها مع والديه لما يقارب السنتين كان بغرض استنفاد الآجال القانونية لوثائق الإقامة وجواز السفر التي ظلت بحوزته حتى لا تتمكن الزوجة- الضحية من المطالبة بحقوقها أمام المحاكم الإيطالية.

إلى المستشفى
وفي المقابل، تُسجّل حالات لفتيات قاصرات تزوجن داخل البلاد وعانين المعاناة نفسها، ولم يتحملن المعاشرة الزوجية «ليلة الدخلة» ليُنقلن على أثرها إلى المستشفى... ومن بين هذه الحالات، تحكي لنا إحدى الممرضات أن هناك فتيات قاصرات تتراوح أعمارهن ما بين 14و 16 سنة، تعرضن إلى نزيف وتمزق مهبلي، ودخلن في غيبوبة دائمة وأُصبن بالرعب، فيما اختارت الأخريات على غرار الضحية آمنة الفيلالي من مدينة العرائش الانتحار هرباً من ألم لم يشعرن به يوماً.
فيما هناك زوجات اغتُصبن من طرف أزواج يبلغون من السن عتياً، على نحو ما أكدت نعيمة وهي شابة تنحدر من مدينة الدار البيضاء، ورفضت الكشف عن هويتها، إذ تم تزويجها وهي لم تتجاوز الـ 15 من عمرها لرجل يكبرها بخمسين عاماً، وذلك بسبب طمع أسرتها في ثروته، لكنها هربت منه وتخلصت من عذاباتها المتتالية بعد تعرضها لكل أشكال التنكيل الجسدي وهي لا تعرف شيئاً عن الزواج، فهاجرت الى احدى مدن الشمال وهي الآن تتسول في الشوارع مع طفلتها.
تقول نعيمة: «لم يسمح لنا القاضي بالزواج لعدم بلوغي السن القانونية، لكن عائلتي اتفقت مع عائلة زوجي على قراءة الفاتحة في انتظار بلوغي السن القانونية. انتقلت الى منزلهم وعاملوني كخادمة تلبي طلبات الجميع. حملت وأنا لا أزال طفلة، فهل يُعقل ان تربّي طفلةٌ طفلةً! كان زوجي يضربني كلما عبّرت عن سخطي على الواقع الذي أعيش فيه. والداي منعاني من زيارتهما، وخيّراني بين غضبهما عليّ ومغادرة بيت الزوجية غير الشرعي. لما بلغت طفلتي سناً تخولها الدخول الى المدرسة، طلبت منهم توثيق الزواج وتوثيق نسب الطفلة، لكنهم رفضوا لبعد المسافة عن المدينة التي توجد فيها المحكمة»... فلا هي راضية عن عيشها، ولا عما ستعانيه طفلتها، الى أن جاءها الفرج بعد مرور سنتين على يد إحدى المنظمات النسائية التي حطّت الرحال في القرية حيث تعيش، ووثقت ما يزيد عن 60 حالة زواج عرفي، وكانت من ضمنها نعيمة التي دفعت ضريبة أخطاء عائلتها، وربما ستواجه طفلتها المصير نفسه إذا لم تتغير الظروف الى الأحسن.

عنف
من جهتها، وصفت جمعيات نسائية زواج القاصرات بـ «الدعارة الشرعية»، موضحة أن عدد القاصرات اللواتي يُجرى تزويجهن مستمر في الارتفاع، خاصة أن هذا الزواج يتم بموافقة الدولة، إذ ارتفع من 18 ألف حالة عام 2004 إلى ما يزيد عن 35 ألفاً عام 2014، بحيث يحاول الآباء إيجاد حلول لها عبر تزويج بناتهم ممن هن دون الـ18 سنة، مشددين على ضرورة تحديد السن الأدنى لتزويج القاصرات بغية تقليص هامش الحرية أمام قضاة الأسرة المكلفين بالزواج عبر إجراء تعديلات في القانون الجنائي ومدونة الأسرة، «نظراً لأن تزويج فتاة لم تتجاوز الـ 14 سنة يدخل ضمن خانة البيدوفيليا».
ودقت دراسة وطنية عن العنف الجنسي تجاه الأطفال المغاربة، ناقوس الخطر حول ظاهرة زاوج القاصرات، باعتبار أن غالبية الزيجات ما زالت تُعقد بالفاتحة، وتشمل في بعض الأحيان فتيات دون الـ 11 سنة. وأضافت الدراسة أن الفتيات القاصرات هن الأكثر تعرضاً للعنف الجنسي، موضحة أن 25 في المئة من المعرّضين من كلا الجنسين لا يتجاوزون السنوات الست، يُضاف إليهم 26 في المئة ما بين 7 و12 سنة، و38 في المئة من المعنّفين تتراوح أعمارهم ما بين 13 و18 سنة، في حين أن 11 في المئة منهم غير محدد.

مغالطات كثيرة لتبرير الجريمة
يعتمد الكثير من الفقهاء على رواية زواج الرسول من عائشة، كمسوغ لتزويج الفتيات دون سن الـ 18، رغم تنصيص مدونة الأسرة في المادة 20 على ألا يقضي قاضي الأسرة بزواج من لم يستوف السن القانونية، إلا بمقرر معلل يبين فيه المصلحة، والأسباب، والاستعانة بخبرة طبية، أو القيام ببحث اجتماعي. في هذا الصدد، قال أحمد الخمليشي، مدير دار الحديث الحسنية، إن مغالطات كثيرة يمررها بعض الفقهاء من أجل تبرير زواج القاصرات وشرعنته... فالروايات التي تنطلق من زواج الرسول بعائشة في سن التاسعة «سخيفة» ولا أساس لها من الصحة، وهي  شائعة الغرض منها النيل من الرسول، و»تبيان أنه كان منبوذاً في فترة ما قبل الوحي حيث تزوج بخديجة ذات الأربعين سنة، واستغل النبوة للزواج من صغيرات في السن».
وأكد الدكتور الخمليشي المتخصص في الفقه القانوني، ان رواية زواج الرسول من خديجة خاطئة، «فما من امرأة وفق التحليلات الطبية الحديثة تستطيع أن تلد ستة أبناء وقد تجاوزت سن الأربعين»، مضيفاً أن جزءاً كبيراً من السيرة يحتاج إلى مراجعة وإعادة مراجعة وتدقيق، لتفادي القراءات المغلوطة لأفعال الرسول.

مراوغة القانون
ورغم ان المدونة حددت، بحسب الناشط الحقوقي أنس سعدون، سن الزواج بـ18 سنة لكلا الجنسين، وقضت بعدم السماح بزواج القاصر إلا بعد الحصول على إذن قضائي وتنفيذ مجموعة من الاجراءات، إذ في إمكان أي شخص التفلّت من هذه القيود التشريعية التي وُضعت أساساً لحماية الأسرة والمرأة والطفل، من خلال الاكتفاء بإبرام زواج الفاتحة وفق الأعراف، ثم التقدم بعد مدة أمام القضاء بدعوى ثبوت الزوجية، فإن زواج القاصرات في المغرب يأخذ شكلين، إما زواج عرفي تتبعه مسطرة ثبوت الزوجية، أو زواج قضائي من طريق مسطرة الإذن بزواج القاصرين، موضحين أن النصوص القانونية المغربية يشوبها عدد من الثغرات، و«بالتالي وجب إدخال تعديلات عليها حتى لا نكون مشاركين في الجنحة»، خاصة على الفصل الذي يسمح لقاضي الأسرة المكلف بالزواج أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية المنصوص عليها في المادة 19 بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، وهو الفصل ذاته الذي يؤكد في الفقرة الأخيرة منه أن قرار القاضي غير قابل للطعن.

ممنوعات من التعليم
وتساءلت الباحثة الأميركية جولييت سورينسن، مديرة مشروع «الولوج إلى الصحة» في مناطق الشمال الغربي الإفريقي، بحضور ميشيل أوباما على هامش زيارتها الى المغرب أخيراً أنه في الفترة التي تطوعت خلالها للعمل في فرق السلام في منطقة الجنوب الشرقي للمملكة المغربية، كانت نسبة الفتيات غير المتعلمات تقدر بـ 85 في المئة، مؤكدةً: لماذا نجد في المغرب كل هذه المؤشرات الصادمة رغم بعده بضعة كيلومترات عن القارة الأوروبية؟ وموضحةً أن العائلات في المناطق النائية ما زالت لا تولي أهمية لتعليم الفتاة، لأنهم يرون مستقبلها في الزواج، الاعتناء بالمنزل وتربية الأبناء، ومشيرة إلى أن في هذه المناطق يتم تزويج الفتيات ابتداءً من 12 سنة، في حين أن السن القانونية التي حددها القانون المغربي للزواج هي 18 سنة.

الواقع يتغيّر
من جهته، أكد وزير العدل والحريات مصطفى الرميد، أن المغرب شهد تراجعاً في نسبة زواج القاصرات خلال السنوات الأخيرة... وأوضح في معرض ردّه على سؤال حول «ظاهرة زواج القاصرات»، تقدم به فريق الأصالة والمعاصرة المعارض في إطار جلسة الأسئلة الشفهية في مجلس المستشارين، أن عدد زواج القاصرات انخفض في العام 2014 ليصل الى 33489 حالة، في مقابل 39031 حالة في 2011، مضيفاً أن القاصرات اللواتي تشملهن هذه الظاهرة «الاجتماعية المرفوضة والبالغة التعقيد»، ينتمين الى أسر تعاني هشاشة ومشاكل اقتصادية واجتماعية. وأشار الرميد إلى أن رفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي للأسر ونشر الوعي لدى المواطنين... من أبرز العوامل التي تساهم في حل هذه الإشكالية التي «يعجز القانون والقضاء وحدهما عن حلّها».


في فلسطين: إلى متى سيستمرّ تزويج الأطفال؟


التوعية ضرورية

تشير ساما عويضة، مديرة مركز الدراسات النسوية في القدس، إلى أنّ المركز مهتم بقضية الزواج المبكر تقول: «نعمل في المدارس على التوعية بخطورة تزويج الصغيرات، ورغم أننا أجرينا أبحاثاً في الماضي، فإننا نقوم في الوقت الحاضر ببحث جديد، وما زالت الدراسة في مراحلها الأولى، والهدف منها هو تحديد أسباب المشكلة والآثار الناجمة عنها، لعلّ مشروعنا الجديد يساهم في الحد من تزويج الأطفال». وتضيف: «في فلسطين نسبة من حالات تزويج الأطفال، لكنها ليست كبيرة، وهناك زيجات لا يتم تسجيلها لأنها تحت السن القانونية، وهذا ما يسمونه «الزواج البرّاني». ورغم ذلك، نشهد تراجعاً ملحوظاً في ظاهرة تزويج الأطفال». وتتابع سوما: «والزواج البراني هو عقد قران غير مسجل في المحكمة الشرعية، لأن الطفلة تكون تحت السن القانونية، ويتم تسجيله عندما تبلغ الطفلة السن القانونية، أو في حال حصل حمل، حينها يضطرون للذهاب الى القاضي الذي يستخدم بدوره صلاحياته الاستثنائية في هذه الحالة حفاظا على السمعة، ويتم تسجيل المولود».

قانون عتيق لا يزال يعمل
يؤكد المحامي الناشط في مجال حقوق الإنسان فريد الأطرش أن الزواج المبكر منتشر في فلسطين، ويضيف: «إن قانون الأحوال الشخصية المطبّق لدينا هو قانون الأحوال الشخصية الأردني القديم، وهو يجيز زواج الأطفال للأسف، حيث ينص القانون على إمكانية تزويج الفتاة وهي في عمر الـ15 عاماً بالتقويم هجري، أي 14 سنة وستة أشهر ميلادية، رغم أن قانون الطفل الفلسطيني يعتبره طفلاً لغاية 18 عاماً، وقد انضمت فلسطين الى اتفاقية حقوق الطفل».
ويلاحظ المحامي الأطرش أن الأردن: «عدّلت سن الزواج فأصبحت 18 عاماً، ولكن نحن لم نعدلها حتى الآن، وبذلك فإن القانون المذكور يجيز تزويج الأطفال من عمر 16 عاماً، وهذا ما يحدث في المحاكم الشرعية، لأن لا اهتمام بالأطفال، كما أن المجلس التشريعي الفلسطيني معطّل».
ويشير الأطرش الى القوانين التشريعية بقوله: «منذ العام 2006 لم يقر المجلس التشريعي الفلسطيني أي قانون خاص بالأطفال، وفي الوقت الحالي تصدر القوانين عن الرئيس محمود عباس في الضفة الغربية ومن كتلة الإصلاح في قطاع غزة، من دون أن يكون هناك تركيز على الأطفال».
ويضيف: «المطلوب هو تعديل القانون، فعلى سبيل المثال، في غزة قانون لا يزال سارياً الى اليوم، ويسمح بتزويج الطفلة من سن 12 عاماً. أما التزويج في سن مبكرة فينطبق على الذكور والإناث، ولكنني أتوقع أن تكون نسبة الإناث هي الغالبة في مناطق معينة».
ولدى سؤاله إلى متى سيستمر تزويج الأطفال يقول: «هو سؤال مهم، علينا أن نستمر في السعي للحد من هذه الظاهرة، وهناك تحركات للمؤسسات النسوية، إضافة  الى مسودة لتعديل القانون، لكن كل ذلك يتطلب مزيداً من بذل الجهود وممارسة ضغوط كبيرة».

«تزويج الاطفال» هو التعبير  الصحيح
أما د. أريج عودة، المستشارة القانونية لمحافظة رام الله والبيرة، وعضو مجلس إدارة طاقم شؤون المرأة، فتحدثت قائلة: «أنا معجبة باستخدام تعبير «تزويج الأطفال» لأنه تعبير مهني وقانوني، وأرفض استخدام تعبير «الزواج المبكر»، لأن لا شيء اسمه «زواج مبكر»، بل هناك «تزويج» يتولى قراره الآخرون، وعندما يُسأل القاضي عن ذلك، يجيب: أنا سمعتها ورأيتها، وعلمياً هذا القول غير دقيق، لأن الفتاة تكون مجبرة على الموافقة».

هذه هي الأسباب... والحلول
وتتحدث خبيرة التنمية البشرية حكمت بسيسو عن أسباب تزويج الأطفال فتقول: «هناك أسباب عدة، منها الفقر، وعدم وعي الناس بأسس التربية الصحيحة، وتساهل القانون، وعدم تعلم المجتمع من تجارب الحياة، وعدم تدخّل رجال الدين في التوعية واقتصار مجهودهم على التشدّد في الحرام والحلال. وتطول اللائحة وصولاً إلى كثرة الإنجاب،
وغلاء التعليم الجامعي، وغرق المجتمع في الشكليات والكماليات، والإقبال على الصغيرات والانصراف عن الكبيرات، والهوس الجنسي وضعف الضوابط الاجتماعية، والفراغ لدى الشباب، وعدم تعزيز المهارات والهوايات، وتزويج اليتيمات، واستشراء مقولة أنّ الزواج ستر للبنت والشاب، وسادية المجتمع ورغبته في التحكم في الإناث من أهل الزوج، وتخلف المجتمع وتراجع الثقافة، إلى جانب البطالة التي أفقدت المجتمع احترامه وثقته بالتعليم...». أما الحلول فهي، كما تعدّدها الخبيرة بسيسو فهي: «أساس الشرع القاعدة التي تقول «من استطاع منكم الباءة فليتزوج»، والمحكمة الشرعية لا تنظر بعين الاعتبار للباءة الصحيحة، ورغم أنهم أقرّوا فحص الثلاسيميا الإجباري، فإنهم لم يفعلوا أي شيء آخر لحماية النساء، وللأسف لدينا عدد كبير من المستفيدات من وزارة الشؤون الاجتماعية الفلسطينية ممّن يصنّفن في خانة «زوجة ثانية مهجورة»».
ويشير التقرير السنوي لـ«الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني- سلسلة إحصاءات الطفل» الصادر عام 2010 إلى ظاهرة الزواج المبكر في فلسطين وجاء فيه: «بلغت نسبة الذين عقدوا قرانهم وأعمارهم دون سن الثامنة عشرة في الأراضي الفلسطينية خـلال عام 2007، 2.29 % للإناث من مجمل الإناث اللواتي عقد قرانهن، و5.1 % للذكور من مجمل الذكور الذين عقد قرانهم، وبلغت هذه النسبة 5.27 % للإناث و1.1 %للذكور في الضفة الغربية، في حين بلغت في قطاع غزة 5.31 % للإناث و1.2 % للذكور».

ما بين السنتين الشمسية والقمرية تطلّ ظاهرة تزويج الأطفال في فلسطين... أطفال يجبرون على تحمّل مسؤولية الزواج المبكر... زواج تسعى إليه العائلة المصغرة مدفوعة بقيم العشيرة والعادات والتقاليد في ظل قانون يسمح بذلك، فيدفع الأطفال الثمن إذ يُحرمون من طفولتهم ويمضون العمر في البحث عنها، وقد يتعرضون لفخ الوقوع في الخيانة الزوجية، لأن هناك مراحل مهمة في حياتهم اضطروا للقفز عنها.
يقول مدير البرامج في المدرسة الإنجيلية الأسقفية العربية في رام الله ومدير مخيم الاكتشاف والمعرفة في مؤسسة «الأميديست» في الضفة الغربية وغزة، ناجح أبو شمسية : «إذا ما اعتمدنا التعريف الدولي وفق اتفاقية حقوق الطفل، وكذلك اتفاقية حقوق الطفل الفلسطينيّ، فإن كلّ من لم يبلغ الثامنة عشرة من العمر يعتبر طفلاً.
وبذلك، فإن كلّ زواج يتم تحت هذه السن يعتبر زواجاً مبكّراً. وهو أمر ملحوظ في مجتمعنا الفلسطينيّ، إذ يتم تزويج الفتيات، في كثير من المحافظات، بعد بلوغهن سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة. وقد عرفت الكثير من الفتيات اللواتي أصبحن أمّهات، مرّة أو مرّتين، قبل بلوغهن الثامنة عشرة».
عن أسباب ازدياد حالات زواج الأطفال الفلسطينيين المبكر، يقول أبو شمسية: «يُردّ ذلك إلى موروثات ثقافيّة واجتماعيّة واقتصاديّة ودينيّة أحياناً. وتشجّع العادات والتقاليد على الزواج المبكّر، وتحمل بعض المقولات والأمثال الشّعبية ما يحث ويحرض على مثل هذا الزّواج، إذ مما يحضرني قولهم: «يا ماخد الصغار يا غالب التّجار»، و«بتتزوّجها صغيرة وبتربّيها على إيدك».
أما عن الطبقات الاجتماعية التي تقوم بتزويج الأطفال فيؤكد: «قد لا تقتصر ظاهرة الزّواج المبكّر على طبقة دون غيرها، إلّا أنّها قد تكون منتشرة أكثر في الأرياف، والبادية، وبعض المجتمعات المدنية المحافظة، أو المعوزة اقتصاديّاً. كما قد تظهر، بشكل أكبر لدى الطبقات الأقل حظًّاً في التّعليم».

اللجوء إلى السفارة
ويروي ناجح أبو شمسية قصة حدثت أثناء عمله فقال: «عملت قبل نحو عشرين عاماً، في مدرسة لأبناء الفلسطينيّين في المهجر. وقد اعتاد كثير من أهلنا المغتربين إعادة بناتهم وأبنائهم إلى الوطن قبل البلوغ، حتى يدرسوا في مدارس الوطن، ويتعلّموا اللغة العربيّة، ويتشرّبوا الثقافة، خشية أن تجرفهم حضارة الغرب بمفاهيمها ومعتقداتها. وكثير من الفتيات اللواتي كن يحضرن ليمكثن في بيت الجدّ أو الجدّة، كن محط اهتمام العائلة الممتدة، وأبناء القرية أو المدينة، حيث كنّ يمثلن فرصة للشباب في الهجرة والحصول على جنسية بلد مولد هؤلاء الفتيات. وعادة ما كان يقوم الجد، أو الجدّة بترشيح أحد أبناء الأعمام للزّواج من ابنة العم... وحصل مرّة، أن التجأت إحدى الطالبات إلى إدارة المدرسة، حينها، شاكيةً من أنّ هذا الأمر يتعارض مع ما تربّت عليه في مدرستها ومجتمعها في الخارج، حيث يعتبر ابن العم، قريباً من الدّرجة الأولى، وهو ما تعتبره أخاً لا يجوز لها الزّواج منه، فضلاً عن صغر سنّها وقد كانت في الصف العاشر، أي أن عمرها لم يتجاوز السادسة عشرة حينها. توجهنا الى الأهل، الذين، بدورهم، رفضوا وساطتنا،
أصرّوا على تزويج الفتاة. فما كان منها إلّا أن التجأت إلى سفارة بلدها في القدس، مشتكيةً الإكراه على الزّواج. فما كان من السّفارة إلّا أن احتضنت الفتاة، ووفّرت لها ملجأً، وأمّنت سفرها على نفقة السّفارة الخاصة».
وعن قصة علم بها حديثاً، قال: «أحد معارفي، وهو مدرّس، تزوّج من إحدى طالباته، وكانت في السادسة عشرة من عمرها. وعندما تحدّثنا في الموضوع، أخبرني بأنّه لا يرى ضيرًا في ذلك، وأنّه مدعوم بالإرث العائلي، والمجتمعيّ، والثّقافيّ، والدّيني».

التَّروي وتحكيم الضمير
وعن دور المدرسة في الحد من ظاهرة الزواج المبكر، يقول أبو شمسية: «في محيط مدرستي وبيئتها، تعتبر فكرة الزّواج المبكّر مرفوضة رفضاً قاطعاً حد التحريم. أمّا من حيث دور المدرسة العام، فعلى المدرسة العمل على توعية الطلبة بقدسية رباط الزوجية، وأهمية أهلية الزوجين لتحمّل مسؤوليات الحياة الزوجية. لذا، من واجب كل مدرسة أن تطرح فكرة الزّواج، والزواج المبكّر في نقاشات مستفيضة، ودوريّة، واستضافة متخصصين للحديث مع الطلبة عن هذه الظاهرة، ومخاطرها وتبعاتها وأعبائها وآثارها النفسية والاجتماعية والصحية والاقتصادية على الفرد والأسرة والمجتمع. كما من الضروري عرض الأفلام الوثائقية التعليمية والتوعوية حول هذا النوع من الزواج». ويختتم أبو شمسية حديثه موضحاً: «أنصح الأهالي بالتروي والتفكير العميق في زواج أبنائهم وبناتهم، والإحجام عن تزويجهم في سنة مبكّرة، وأن يحتكموا إلى الضمير، ويحرصوا على تأمين مستقبل أبنائهم وبناتهم. وكلّي أملٌ بأن يرتقي مجتمعنا بفكره ووعيه إلى تحديد أولويات مجتمعية تأخذ بيده إلى مصاف المجتمعات المتقدّمة والواعية والحريصة على عدم هدر مقدراتها البشرية بسجن الأبناء والبنات في قفص الزوجية المبكر».

 

المجلة الالكترونية

العدد 1074  |  أيار 2024

المجلة الالكترونية العدد 1074