تحميل المجلة الاكترونية عدد 1075

بحث

«نقش الحنّاء» تقاليد تحييها الفتيات بطرق عصرية

د. عبد العزيز محمد عبدالله

د. عبد العزيز محمد عبدالله

د. نادية النصير

د. نادية النصير

النقاشة فوزان محمد

النقاشة فوزان محمد

شروق العديني

شروق العديني

ليليان غسان

ليليان غسان

النقاشة مريم

النقاشة مريم

النقاشة مريم

النقاشة مريم

النقاشة فوزان محمد

النقاشة فوزان محمد

في موازاة الحداثة وتطور العصر، تبحث السعوديات عن العراقة والأصالة بألوان وأشكال مختلفة عما هو شعبي، فرغم أن «الحناء» وفن النقش على الجسم من العادات القديمة المنتشرة بين الكثير من الثقافات والأعراق، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بمظاهر البهجة والفرح، فإنهما لا يزالان من ضرورات الزينة وخصوصاً للعروس، فـ«ليلة الحناء» أو «الغمرة» كما يُطلق عليها محلياً، هي ليلة مخصصة لجلب «الحنّاية» أو «النقّاشة» كي تزيّن العروس وقريباتها في جو احتفالي يسبق الزفاف بيوم أو يومين، والمُستحدث في الأمر أن نقوش الحنّاء ورسوماته تختلف اليوم باختلاف المواد والألوان المستخدمة في النقش فأصبح أقرب الى شكل «التاتو» الذي بات بديلاً للحنّاء العصرية... وبين «الحنّاء» و«التاتو» نستعرض تجارب تليها آراء أهل الاختصاص...


«الحنّة البيضاء» صرعة شبابية بنقوش تقليدية
لم تفكر ليليان غسان، 16 عاماً، يوماً بأن تنقش «الحنّاء» على يديها، إلا أن الموضة دفعتها كالكثيرات للذهاب إلى «نقّاشة» قبل موعد حضورها مناسبة تخصّها لتبدو بأبهى حُلّة، فاختارت «الحنّة البيضاء» لتتناسب مع لون فستانها وطابعه المميز بنقوش ناعمة ورفيعة. وتؤكد ليليان أن ما دفعها لخوض تلك التجربة هو أن النقش موقت، ويدوم لثلاثة أيام أو أربعة على الأكثر، إضافة إلى أنه غير مكلف وبلا رائحة.

«حنّاء الستيكر» بديل جديد للشكل التقليدي
قد يستحيل أن تمر ليلة «الغمرة» من دون احتفال توديعي للعروس، حيث جرت العادة أن ترتدي العروس أكثر من زي شعبي أو تراثي، ولا تكتمل طلّتها إلا بنقش يديها تأكيداً لما تحمله هذه العادات من عراقة وأصالة. ولأن لهذا التقليد طعماً مميزاً ولا يُنسى، فضّلت شروق العديني، 29 عاماً، استبدال «الحنّة التقليدية» بأخرى مستعارة، أو بما يسمى «ستيكر الحنّاء»، وهي نقوش جاهزة توضع في المكان المرغوب بعد ترطيب الورقة بالماء لطبع الرسم على الجلد. والمميز في هذا النقش المستعار أنه أعطى نتيجة الحنّاء نفسها، لكن بوقت ومجهود أقل، وهو بدون رائحة، وسهل الإزالة بحيث يتم تقشيره بالماء. وعلى الرغم من اختيارها لهذه الطريقة المستحدثة، ترى شروق في «الحنّاء» عراقة وأصالة وجمالاً لا يمكن الاستغناء عنها، وتعتقد أن سبب انصراف البعض عن «الحنّاء» هو الرائحة القوية التي تنبعث منها، وآثار اللون البرتقالي التي تبقى على الجلد بعد أيام عدة من نقشها، لذلك أصبحت الأصباغ الموقتة هي المفضلة عند الجيل الجديد. 

«التاتو الموقت» رسوم مفرغة لتفادي أخطاء النقش
ولإضفاء لمسة أخيرة، اختارت مرام حمد، 27 عاماً، «التاتو» عوضاً عن الحنّاء في يوم زفافها، وحرصت على أن تطبع إحداهن رسم الفراشة على كتفها، واستخدمت وقتذاك شكلاً مفرغاً يتم رشّه بواسطة جهاز، وفق اللون المطلوب، ليعطيها نتيجة «التاتو» نفسها، لكن بشكل جميل وموقت، وهو في رأيها أفضل من النقش لأنه سريع الجفاف وخالٍ من الأخطاء أثناء عملية الرسم.

عبق الحنّاء يعيد ذكرى الجدّات
وحين يتم ذكر كلمة «حنّاء»، تسترجع أحلام عادل، 28 عاماً، ذكرى جدّتها المتوفاه، حيث كانت تعشق «الحنّاء» ولا تتوانى في «تحنية» بنات الأسرة الصغيرات في كل مناسبة أو عيد، ليعبق بيت العائلة برائحة الحنّاء فتفوح في كل ركن من أركانه، وكانت الفتيات الكبيرات يحظين بالنقش، بينما تكتفي الجدّة بنقش «حنّه القبضة» للصغيرات، لكونه أسهل ولا يحتاج الى الكثير من الدقة. ورغم الذكريات الجميلة التي يحملها هذا التقليد في العائلة، بدأ يتلاشى بعد وفاة الجدّة.

تحسس حاد وآثار تصبّغات جلدية
وفي سبيل الإبهار، كانت السيدة أصالة رشيد، 42 عاماً، تتعامل مع إحدى «النقّاشات» للرسم على جسمها في بعض المناسبات، وكانت أصالة تفضل الرسم بشكل طولي على الساق بخط رفيع ورسوم عصرية بلون «الحنّاء السوداء»، إلا أنها توقفت عن هذه العادة بعدما تعرضت في إحدى المرات لتحسس حاد في المنطقة المحيطة بالنقش، ترك آثاراً وتصبّغات لم تختفِ بسهولة، مما اضطرها لمراجعة الطبيب والخضوع لجلسات تقشير للتخلص من تلك الآثار، التي كانت أشبه بالحروق الممتدة على طول ساقها، وتعتقد أصالة بأن السبب قد يعود الى استخدام النقّاشة مواد غير أصلية في خلطة الحنّاء.

«الحنّاء» بروفة ما قبل «التاتو» الدائم
يُعدّ «التاتو الدائم» مجازفة تُقبل عليها السيدات، وقد تندم بعدها، إما لعدم إتقان الرسم، أو لكون المكان الذي نُقش فيه «التاتو» غير مناسب، لذلك اعتمدت فاطمة عدنان، 32 عاماً، رسماً ترى أنه يعبّر عنها وعن شخصيتها، وهو أشبه بالأجنحة، ولخوفها من عدم إتقان خبيرة «التاتو» عملها في الرسم، أو اختيار مكان غير مناسب، فضّلت نقش هذا الرسم بالحنّاء، على ظهرها لترى أيهما الأجمل: الرسم ذو الحجم الكبير أم الصغير، أو الأكثر ملاءمة لها: الخطوط الرفيعة أم السميكة... وبعدما استقرت على شكل وحجم معينين ذهبت الى خبيرة معروفة خارج المملكة، لتثبيت الرسم ذاته بشكل دائم.

النقوش الهندية والإماراتية هي الأكثر طلباً
قد لا يعتقد البعض أن «النقاشة» مهنة بقدر ما هي هواية وشغف، تتفرد بهما «نقّاشات» الحنّاء المتمرسات، فمريم، 25 عاماً، والتي دخلت مجال النقش منذ حوالى 13 عاماً، وجدت ذاتها في الرسم والنقش، فلم تسلم الجدران ولا حتى أيدي زميلات الدراسة من فنها، إلى أن أخذت بيدها أختها الكبرى الى مشغل معروف في مدينة جدّة لتعليم أصول النقش، ومنذ ذلك الوقت وهي تمارس هذه المهنة بشغف وحب لابتكار كل جديد، كي ينال إعجاب زبائنها بمختلف أذواقهم. ولخبرتها الطويلة في هذا المجال، ترى مريم أن النقوش الهندية والإماراتية هي الأكثر طلباً من زبائنها، وقد تختلف أذواق الكبيرات في السن عن الشابات، اللواتي يفضّلن في العادة الرسوم الناعمة لخطوط رفيعة أو أزهار تزيّن الأصابع وظاهر اليد باللون الأسود، بينما تحب المتقدمات في السن الرسوم المتداخلة والغنية بالتفاصيل بـ«الحنّاء الحمراء». ومن خلال عملها، تؤكد مريم أن غالبية العرائس يُرغمن من أمهاتهن على اختيار نقشة كبيرة ومتفرعة، تماشياً مع العادات والتقاليد القديمة. والجدير ذكره أن الحنّاء تمنح العروس طلّة مميزة قد لا يحققها الماكياج والفستان والشعر، ولا يزال الكثير من السيدات يتبعن هذا التقليد ويحرصن على نقله الى جيل القادم، وإن كان بصورة مستحدثه أشبه «بالتاتو».

الفارق بين المتمرسة والمتدربة في مهنة «النقش»
وعن معايير الجودة والسلامة، تتابع مريم حديثها مؤكدةً أنها تجلب خلطتها من سيدة من جيزان متخصصة بخلط الحنّاء، وموضحةً أن هناك فارقاً واضحاً بين المتدربة في مهنة النقش، وتلك المتمرّسة التي تكون أكثر ثقةً بنفسها وتستطيع تطبيق رسوم مختلفة ووفق طلب الزبونة، وبالتالي تتميز بالقدرة على تصحيح خطأ النقش بإتقان وبدون ارتباك، كما أن طريقة إمساك قمع النقش وثبات اليد هما دليل على إتقان «النقاشة» عملها بحرفية.

النقش على الجسم هو الأكثر طلباً من العرائس
وعن أحدث صيحات «الحنّاء»، تشير فوزان محمد، 23 عاماً، والتي تمارس نقش «الحنّاء» منذ عامين، الى أن «الحنّاء البيضاء» مطلوبة جداً من فتيات الجيل الجديد، كما أن الرسوم العصرية والرفيعة والعبارات الشعرية هي الأكثر طلباً في هذه الأيام. وتلفت فوزان الى أن إقبال الزبونات على «الحنّاء السوداء» يعود الى خلوّها من الرائحة وسرعة جفافها، كما ترى أن أماكن نقش الحنّاء لم تعد تقتصر على الأيدي والأرجل، إذ أصبحت الزبونات تطلبن نقوشاً على الكتف أو الظهر أو الرقبة.

تقليد الحناء هو وقاية للعروسين من الأمراض
وعن تقاليد نقش الحنّاء وتاريخ استخدامها تقول المستشارة التربوية والأسرية والنفسية في «مكتب الأمل للاستشارات» الدكتورة نادية النصير، إن الحنّاء عُرفت منذ عهد الفراعنة واستُخدمت للعلاج والزينة، ولا تزال عادة «تحنية» العروسين قبل الزفاف مستمرة الى اليوم، ولعل الكثير منا يجهل سبب هذا التقليد، لكن اكتُشف حديثاً أن أوراق نبته الحنّاء تحتوي على مواد مقاومة للفطريات والجراثيم وأمراض الجذام. ومما لا شك فيه أن العروسين يتعرضان خلال الزفاف للاحتكاك بالأقارب والأصدقاء، ولذلك تعد «التحنية» أو صبغ باطن اليد أسلوب وقاية لهما، وهذه العادة منتشرة في الكثير من البلدان العربية، والخليجية خصوصاً، حيث يُطلق على ليلة الحنّاء، «ليلة الغمرة»، إذ تزين خلالها خبيرة في النقش (النقّاشة)، اليدين والقدمين بنقوش جميلة. والجدير ذكره أن عادة نقش الحنّاء أصبحت تقليداً اختيارياً، وهو اليوم يلقى رواجاً تحت أشكال أكثر عصرية، وأقرب الى شكل «التاتو» حيث يتم خلط الحنّاء بمواد وأصباغ أخرى للحصول على لون قريب الى السواد، بغرض إدامته على الجسم مدة أطول. وقد يظن كثيرون أن هناك «حنّة سوداء»، وهذا مصطلح مضلل تستخدمه صالونات التجميل، فلا أشجار تطرح أوراق «حنّة سوداء»، بل هي مادة كيماوية عضوية مصنّعة تدعى «بارا فينيلاندماين»، وقد تضر هذه المادة البشرة والجلد وتسبب الحكة والتحسس، لذلك تتمنى الدكتورة النصير أن يكون إحياء تقليد الحنّاء بالمواد الطبيعية والأصلية، والابتعاد عن كل ما هو اصطناعي.

المشاكل الجلدية المتوقع حدوثها
أما بالنسبة الى تأثير الحنّاء من الناحية الطبية فيوضح الدكتور عبدالعزيز محمد عبدالله أخصائي الجلدية والتجميل في عيادات الدكتور مازن فتياني في جدة، أن هوس الانسان بالجمال والتميز هو غريزة موغلة في القدم، وليست وليدة العصر، ولعل «الحناء» من أبرز الطرق التقليدية التي كانت منتشرة لدى حضارات وأعراق ممتدة عبر التاريخ، وكانت الحنّاء تُستخدم قديماً لعلاج تقرحات الجلد والالتهابات الجرثومية والدمامل، الى جانب أهميتها في الطقوس الدينية لدى الحضارة الفرعونية، التي كانت تنثر عطر الحنّاء في الجنائز. والمعروف أن الحنّة أو أوراق الحنّة الخالصة وغير المخلوطة مع أي مواد، نادراً ما تتسبب بأي ضرر للبشرة، على عكس الأشكال المتداولة حالياً والتي يتم فيها مزج الحنّاء بمواد وأصباغ مثبته قد تثير حساسية الجلد، والتي يعد أبرزها «التهاب الجلد التماسي التخريشي»، والذي يكون على هيئة حروق واحمرار بعد دقائق أو ساعات من وضع هذه المادة على البشرة، ويشبهه أيضاً «التهاب الجلد التماسي اليرجي»، والذي تصاحبه الحرقة والاحمرار والانتفاخ والتورم في مكان النقش، وقد تدوم هذه الأعراض من 24 ساعة إلى أيام عدة، ومن الحالات النادرة حصول «أكزيما جهازيه منتشرة» بحيث يظهر الاحمرار في مناطق بعيدة عن مكان النقش.

اختبار الجلد وسيلة للوقاية
وعن علاج حالات تضرر الجلد من هذه الصبغات الكيماوية، يشير الدكتور عبدالله الى عدد من الاجراءات، لعل أهمها التقشير الكيماوي وجلسات «الليزر»، ويؤكد أن طبيعة الجلد التي تختلف من امرأة الى أخرى هي مقياس حصول مضاعفات من عدمها، لذلك يُفضل دائماً إجراء اختبار على مساحة جلدية صغيرة للاطمئنان قبل الشروع بوضع أي نقوش موقتة على الجسم.

المجلة الالكترونية

العدد 1075  |  حزيران 2024

المجلة الالكترونية العدد 1075