تحميل المجلة الاكترونية عدد 1075

بحث

الفنانة التشكيليّة فاطمة النمر: أسكب أحداث المجتمع على بياض لوحتي

من رحم اللون تولد الحكايات، ومن ضربة الفرشاة تتكون الملاحم الإنسانية، حين تنقش اللون تمر بفرشاتها على موضع الأنا لتَعْبر إلى طرق المستحيل، وتفتش كل المساحات حتى تبقى وحدها بعيدة عن عابر سبيل، أو عيون متلصصة، فتشكل قصصها الإنسانية التي تراها العين، وتعيش أحزانها وواقعها، وتطبع رمزية الوجود في عالم الفن التشكيلي.

الفنانة التشكيلية فاطمة النمر خطت خطوات كبيرة نحو العالمية لترصع اسمها بفن متميز ومتفرد، معلنة عن قوة المرأة السعودية حين نبشت من واقع معاش حكاياتها، سعت بكل ما تملك من قوة لترسي معالم فنها محلياً ودولياً.
التقتها «لها» لتغوص في قاع ألوانها كي تطالع أسمى معاني الفن.


- من عمق الحياة تتصدر إنسانية الفن عند فاطمة، ماذا ترصد عينها؟
عدسة العين ترصد بكل ثقة واقع المجتمع وما يمر به من خلال إيماءات متنوعة وحس فني، كي أصبّهما في البياض على لوحتي بتقنية متفردة، أجسد من خلالهما فني وما تراه عين فاطمة بنظرة ثاقبة لمجتمع تحب أن تراه يعيش بسلام وأمان.

- هذا الإسقاط الفني غير مباشر، ما الذي تريد أن تخرجه من جعبتها فاطمة؟
رسائل للسلام والمحبة أتمنى أن تصل الى قلوب العالم أجمع بعيداً عن الحروب والدماء، وتبقى في روح الفن، وروح السلام الذي يتجسد داخل كل إنسان يعرف معنى الإنسانية ويدركه، ويطمح الى العيش بسلام.

- تلك الرسائل تجهدين نفسك لإخراجها الى الواقع؟
لا أُخرج أي رسالة إلا بعد أن أعيشها بواقعها كتجربة، من أصدقاء أو أقارب، كي ألامس عمق الحس والشعور عند كل امرأة طالما أضع نفسي في جسد كل امرأة وروحها، إن كانت عربية أو سعودية كرسّت رسالتها للسلام والحب والمحبة بعيداً عن العنف، وأبقى دائما في هذا المنظور. 

- تسلّطين الضوء على كل حركة في هذا الواقع الإنساني من عالم مفتوح على كل الاحتمالات، ما الذي يشغل بالك، ويسرق أحلامك؟
في كل لحظة ودقيقة تخرج الآهة من صمّام روحي تشق عنان السماء، نظراً الى حالة الفوضى التي نعيشها في عالمنا العربي والإسلامي، وأخرج بتساؤلات عن مصير عالمنا إن لم يرفل فيه الحب والمحبة، سيؤول إلى خراب، وكيف نسترجع أحلامنا لنعيد رسم الجمال، فتنتفض الفرشاة بين أناملي مسلِّطة الضوء بعمق روحاني يمس كل شخص، ليمر أمام عين المتلقي في صورة نظيفة بعيدة عن كل الأخطاء التي شوهت جمال مجتمعاتنا وسرقت أجمل أحلامنا على أيدي أناس يجهلون أسمى معاني الإنسانية والمحبة.

- تتلاعبين باللون تارة وبالحركة الديناميكية تارة أخرى وتثيرين انتباه المتلقّي، لتفتحي لديه التساؤلات؟
لوحاتي مجموعة تناقضات يعيشها كل شخص، لذلك أدع المتلقي يعيش فيها، وما تلك الحركات الإيمائية والتي درستها عن كثب إلا للتعبير عن حركة الجسد التي تعطي المدلول الواقعي، فحين يحاول كل شخص أن يقف بجانب العمل التشكيلي ملياً، أشعر بأنه يعبر عن واقعه سواء كان رجلاً أو امرأة حين يقول لي، العمل الفني يمثلني، فأشعر حينها بأنني حرّكت مشاعر المتلقي أياً كانت ثقافته وجنسه، فيثلج صدري أنني استطعت أن أصل بصدق إلى أعماق المتلقي ولم أكن أعبث بما أنقشه في لوحاتي.

- هذا التساؤل للمرأة أم للمرأة والرجل على حد سواء؟
في العادة، أطرح قضايا عدة لكن أكثرها للمرأة، لأن المرأة أنا، والأنثى أنا، لذلك غالبية القضايا تحكي عن أمور المرأة وتلامس جوهر الحياة الواقعية أمام عدد كبير من الذكور. 

- حين تشغلين المرأة بالتساؤلات تبقين سعيدة؟
أبقى سعيدة جداً، وسر سعادتي أنني أستوحي قصصاً من حياتها، وأستلهم حكايات من قضاياها، لأنقشها على لوحاتي من خلال عفويتها وفكرها الخلاق وجمالها الألق، علماً أنني أشتغل على الفكر قبل الجمال، وأن الاثنين متواجدان في اللوحة.

- للفن التشكيلي معايير لونية وتقنية وبعد ثالث، أي المعايير أهم عند فاطمة؟
تجتمع في أعمالي الفنية كل المعايير من تقنية عالية إلى لون يجسد الفكرة ليأتي البعد الثالث ويكملهما، كوني دخلت في كل المجالات لاستخدام الفكرة، وكل عمل يجسد الفكرة يظل ساطعاً بكل معاييره ويخرج العمل في شكل إبداعي، وكل معيار يكمل الآخر فكيف إن جاء البعد الثالث مكملاً للعمل يصبح منجزاً إبداعياً رائعا.

- هذا الوجود الساطع للفنانة فاطمة بلوحاتها هو النرجسية أم الرمزية؟
طبعاً هي الرمزية، لأنني أقدر كل فتاة وكل امرأة موجودة في أعماقي، وكل امرأة تعيش حالة أو قضية أجسد نفسي مكانها، لأن كل امرأة تمتلك روحانية مطلقة تتمتع بقيادة عالية، والروحانية قبل الجسدية، لأن المرأة زوجة وفية وأم عظيمة في المجتمع السعودي خصوصاً والمجتمع العربي عموماً، فأنا أحمل في داخلي قضية كل امرأة تعاني، عربية كانت أم سعودية.

- تحملين هموم المرأة وتسعين الى دراسة قضيتها، ما هو طموح فاطمة؟
أطمح الى أن يكون لكل امرأة عربية وجود في مجتمعنا العربي، لأنها قادرة على القيادة في أي موقع أكاديمي أو اجتماعي أو فني.

- كيف تحلّق فاطمة لتتعايش مع كل امرأة عربية وسعودية؟
لن أحلّق لقضية بل أعيش الواقع كما هو مع كل امرأة عربية، ولن أنسى قضية المرأة الفلسطينية التي لم تستطع إرضاع ابنها نتيجة الفقر المدقع الذي عشته معها، والذل والمهانة اللذين لحقا بها وهي تروي حكايتها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي لأمثل تلك القصص بأعمالي.

- من الشرقية إلى السويد نقلة نوعية؟
إنها مجموعة «مدى» التي أسست فريقاً فنياً من دول الخليج العربي كافة، وانطلقنا إلى السويد وعرضنا أعمالنا جميعاً، فأبهرت الشعب السويدي، واقتنى المتحف السويدي بعضاً منها، ومن بينها بعض من أعمالي.

- كيف وجدت التفاعل عند الشعب الأوروبي، خصوصاً السويدي؟
كان تفاعلاً مدهشاً وصُدم الشعب السويدي حين شاهد الفن المعاصر يأتيه من الخليج العربي، لأن الراسخ في اعتقاده الصحراء والجمل، فانبهر أمام التراث الخليجي وأحبَّ كل التقنيات الموجودة والمتنوعة، وللعلم فإن عدد الفنانين العراقيين في السويد فاق عدد الفنانين السويديين.

- لك مشاركة في الهند، كيف وجدت الجمهور الهندي؟
الهند بلد الفن والثقافات المتعددة، ولي ثلاث مشاركات في الهند أجملها حين شاركت في ورشة عمل للأطفال زيّنا لهم خلالها بيوتهم بالألوان وأدخلنا السعادة إلى قلوبهم، وأشعلنا نفسيتهم فرحاً وسروراً حيث استطعنا تسخير الفن للقضايا الإنسانية. 

- محطتك المقبلة إلى أين؟
لدينا مشاركتان، الأولى في باريس في معرض الفن العربي، والثانية في غاليري لوماس البريطاني، وتعقبهما مشاركة في لاس فيغاس. 

- من لندن إلى جدة، كيف كانت تلك المشاركة في 2016م؟
في لندن، كانت المشاركة مع مجموعة الفن المعاصر، وكان الحضور كثيفاً في شكل لافت للنظر، أحبوا ذاك الجمال، وعشقوا تلك الثقافة العربية والتراث الذي غير نظرتهم الى المرأة العربية عموماً والسعودية خصوصاً، لأنهم يعشقون الأصالة، ويحبون تجسيد المرأة للثقافة العربية بجمالها وحضورها، حيث كانت الأعمال تتحدث عني كامرأة عربية، بخاصة سعودية، تجسد نفسها بالأعمال التي تخصها، وبعدها حطَّ الرحال في جدة، حيث كان المعرض خارجاً عن المألوف بشخصياته المميزة والبارزة، وحضوره الباذخ من المجتمع الجداوي، وشخصيات مهمة من أصحاب الفن التشكيلي.

- لماذا العشق لمدينة جدة وفاطمة من الشرقية، ماذا تمنحك عروس البحر الأحمر؟
عروس البحر الأحمر لي فيها حكايات كثيرة، حيث كانت بدايتي من جدة، احتضنتني بكل الحب ولو كنت ابنة الشرقية لأنها «جدة غير» وأقولها أمام الجميع.

- ما الذي تسعى إليه فاطمة؟
رسالتي الإنسانية تصل الى العالم أجمع، كون الفن رسالة سلام تمر الى القلوب.

- ماذا تقول لـ «لها»؟
أنت حضارة وثقافة يجب أن تؤمني بنفسك أمام مجتمعك، وسيفتخر بك المجتمع وأنت تؤدين رسالتك.

- نهاية المطاف؟
الفن أسلوب حياة، وهو فن التعايش مع الحياة، تعاملي بفن لتعطي أكثر، حتى ولو كنت طبيبة أو مهندسة أو كاتبة، تعايشي بفن مع هذه الحياة لتعطي أجمل.-

المجلة الالكترونية

العدد 1075  |  حزيران 2024

المجلة الالكترونية العدد 1075