تحميل المجلة الاكترونية عدد 1074

بحث

إنه الصيف فليلعب أبناؤك في الهواء الطلق

إنه الصيف فليلعب أبناؤك في الهواء الطلق

يبحث الأطفال دائمًا عن المغامرة يدفعهم إليها فضولهم الذي يبدو أن من الصعب إشباعه. واللعب جزء أساسي من عالمهم، فهو يساهم في نموّهم وتطوّرهم ويضمن انفتاحهم على العالم بكل مجالاته.
فالطفل يتعلّم من طريق اللعب الذي يساهم كثيرًا في نموّه النفسي.
وحين نقول اللعب، نعني ذاك الذي يتطلب حركة جسدية، وبالتالي تنتج منه المفاهيم التي تحفّز تقييم الطفل الإيجابي لذاته وتنظمه، وليس اللعب الرقمي.
وها نحن في الصيف، وقد حان وقت الخروج من المنزل واللعب في الهواء الطلق، ولا سيّما عند الصباح، أو في فترة بعد الظهر حين تكون الحرارة أكثر اعتدالاً، وبدل أن يمضي الأبناء هاتين الفترتين مسمّرين أمام شاشة التلفزيون، أو منكبّين على الألعاب الرقمية، فليدعوا الأهل أبناءهم إلى الخروج في نزهة، إما إلى الشاطئ أو المتنزّه القريب أو إلى حديقة المنزل إذا كان لديهم واحدة. فهناك الكثير من النشاطات والهوايات التي تتطلب جهدًا جسديًا، والمفارقة أنها تُسعد الطفل ولا يملّها.


القفز بالحبل أو شدّ الحبل أو ركوب الدراجة الهوائية أو لعبة الغميضة... ألعاب جميعنا نتذكّرها ونبتسم أو نضحك نظرًا إلى الحوادث الطريفة التي حصلت وقتها. فلمَ لا يكون للطفل المعاصر ألبوم ذكريات ألعاب طريفة يتذكّرها حين يصبح شابًا؟ فاللعب الرقمي لن يدوّن في ذاكرته أيًّا من هذه الصور، فيما استحضار هذه الألعاب التقليدية يكون وقعه جميلاً في النفس، ولا سيما أنها تُمارس في الهواء الطلق، سواء على شاطئ البحر أو في حديقة المنزل، فاللعب وسط الطبيعة فيه الكثير من الفوائد على المستويين الجسدي والنفسي.  

تحديد وقت الجلوس إلى الشاشة
أولى الخطوات التي على الأهل القيام بها هي تقليص وقت الجلوس إلى الشاشة، وقد يبدو ذلك مهمة مستحيلة، خصوصًا خلال الصيف، فالحجج كثيرة وقد تكون أحيانًا منطقية «حر لا نريد الخروج، ماذا نفعل...». وفي المقابل، تشير الدراسات إلى أن تمضية الطفل أو المراهق أكثر من ساعتين أمام الشاشة يوميًا يمكن أن يكون لها تأثير نفسي سلبي.
فقد أظهرت أحد الأبحاث أن احتمالات مواجهة صعوبات نفسية شديدة هي أعلى حوالى 60 في المئة لدى الأطفال الذين يمضون أكثر من ساعتين يوميًا أمام شاشة التلفزيون أو الكمبيوتر، مقارنةً بالأطفال الذين يمضون وقتًا أقل أمام الشاشة.

اللعب في الهواء الطلق
يُظهر عدد متزايد من الدراسات التربوية أن للعب في الهواء الطلق فوائد جمّة.  فقد لاحظ التربويون واختصاصيو علم نفس الطفل والمراهق أن الأطفال الذين يقومون بنشاطات ترفيهية في الطبيعة، تكون لديهم أفضل الدرجات في المدرسة، لأن هذا النوع من اللعب يحسّن التركيز، والوظائف الإدراكية ويحفّز الإبداع.
وقارنت هذه الدراسات أيضًا بين الأطفال الذين يلعبون في الهواء الطلق وأولئك الذين يلعبون في الداخل، فخلصت إلى أن الذين يلعبون في الهواء الطلق يكون سلوكهم أقل عدوانيةً، لأنهم أقل توترًا، وهم أكثر سعادة من الأطفال الذين يلعبون في الداخل.
لذا، فإطلاق الطفل في الطبيعة يجول فيها ويستكشف تقلّباتها، هو مفتاح التعلّم.  فاللعب في الهواء الطلق يتطلب حركة مرتجلة والتكيف مع البيئة الحسية، فهو حين يتسلّق شجرة أو  يركض على أرض معشوشبة أو على رمال الشاطئ، فإن ذلك يعلّمه التوقّع والتنبّه. وعندما يُسمح للأطفال بالتحرك في هذه البيئات الطبيعية، واستكشافها، تزيد لديهم المهارات اللازمة لتطوير القدرات البدنية في سن مبكرة جدًا.

حول تأثيرات الطبيعة في نمو الطفل والتعليم
تؤكد الدراسات أهمية وجود الكثير من المساحات المفتوحة، فمن المعلوم أن السماح للأطفال باللعب في الهواء الطلق،  يعني أنهم سيتحركون أكثر، وبالتالي سوف تكون حركتهم مكثفة، فهم يركضون ويقفزون ويتسلقون، مثلاً حين يتسابقون في الجري، أو يركضون أثناء اللعب بكرة القدم، ويقفزون حين يلعبون بكرة السلة، ويركضون ليختبئوا أثناء لعبة الغميضة، ويتنافسون على قوة أجسادهم حين يلعبون لعبة شدّ الحبل... كل هذه ألعاب تجعل حركتهم مكثّفة، فيبذلون مجهودًا جسديًا وذهنيًا في آن واحد، لأن عليهم أن يخطّطوا ويتوقّعوا. إذ يطوّر الطفل صورته الذاتية ومهاراته الاجتماعية من خلال المشاركة في الألعاب الجماعية خارج المنزل. 

اللعب في الهواء الطلق يمنع البدانة في مرحلة الطفولة
نوّهت الأبحاث الطبية والغذائية في الولايات المتحدّة الأميركية، بالتأثير الملحوظ للعب في الهواء الطلق في رشاقة الأطفال، حيث أصبحت الأنشطة في الهواء الطلق استراتيجية لعلاج البدانة ومنعها في مرحلة الطفولة.
إذ لوحظ أن الكثير من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6-14 عامًا، والذين يعانون زيادة في الوزن، يكون مستوى نشاطهم منخفضًا بشكل لا يصدّق، فلأكثر من 8 ساعات ينصبّ اهتمامهم على  اللعب على أجهزة الكمبيوتر والتلفزيون وألعاب الفيديو والألعاب الرقمية، وبالتالي فإن حركتهم قليلة جدًا مقارنةً بالأطفال الذين يمارسون نشاطات خارج المنزل في الهواء الطلق.
إضافة إلى الجلوس إلى الألعاب الرقمية، يبدو أن نهج الآباء المعاصرين في التربية يؤثر في تحفيز الأبناء على القيام بنشاطات تتطلب حركة بدنية.
فالآباء المعاصرون يبالغون في حماية أبنائهم ويربّونهم في شرنقة، وكل همّهم الحفاظ على سلامة أطفالهم من المشاكل. فهم لا يسمحون  لهم بالتدافع في المدرسة، ويمنعونهم من محاربة بعضهم جسديًا أثناء اللعب، فمثلاً حين يدّعي شقيقان أو صديقان أنهما يتقاتلان مثل النينجا أو أبطال الكارتيه، نجد أحد الوالدين يتدخل، ويمنعهما من هذا اللعب خشية أن يؤذيا بعضهما، في حين أن هذا النوع من اللعب يعلّمهما كيف يدافعان عن نفسيهما، ويقوّي لديهما سرعة البداهة في رد الفعل المناسب. ويشمل ذلك الجري في الطبيعة، حيث الأشياء لا يمكن التنبؤ بها، وحيث إن من الصعب تجنب جرح الركبة أو اتّساخ الملابس.
وفي المقابل، إذا لم يكن الأبناء قادرين على القيام بنشاط جسدي خارج المنزل بسبب الحرّ الشديد خلال فصل الصيف، يمكن القيام بنشاطات لا تتطلب منهم اللعب في الخارج.  

اللعب الإبداعي                        
يجب السماح للطفل باللعب بشكل طبيعي وخلاّق، فهذا يطوّره على الصعيد النفسي ويعطيه الوقت لمتابعة اهتماماته والتعبير عن شخصيته. لذا، ينصح الاختصاصيون الأهل بترك الطفل يلعب على سجيته، فهذا يعلّمه تنظيم وقته والبقاء منشغلاً.
كما يُنصح بشراء الألعاب التي يمكن استخدامها بطرق مختلفة، والتي تحفز اللعب الإبداعي بدلاً من اللعب المنظّم.
كما يمكن الأهل توفير الألعاب التي تشكّل مدخلاً لتعريف الطفل بالموسيقى، والفن، والحِرف والهوايات الأخرى، ثم تركه يستكشف هذه المجالات من تلقاء نفسه، فمثل هذه النشاطات يساهم في إدراك الطفل لذاته وهويته، بحيث يكتشف من هو وما هي اهتماماته. وفي الوقت نفسه، ينصح الاختصاصيون الأهل بعدم دفع الطفل إلى تعلم العزف على البيانو أو أي نوع آخر من الفنون إذا لم يكن مهتمًا بها.  

النشاطات العائلية 
تمضية الوقت معًا كأسرة واحدة، وتبادل الأحاديث على مائدة الطعام والاسترخاء، والمشاركة في الألعاب الاجتماعية مع الأبناء مثل المونوبولي، الشطرنج أو الطاولة، الخروج في نزهة عائلية إلى الشاطئ وبناء قصور من الرمال أو اللعب بكرة اليد الشاطئية، والسباحة معًا، قراءة كتاب مع الطفل، وتفعيل المشاريع الحرفية، والاستماع إلى الموسيقى معًا أو مشاهدة فيلم ومناقشته بعد ذلك، أو الخروج إلى نزهه في البريّة واللعب في الهواء الطلق مع الأطفال، وكون الوالدين نموذج الأبناء فهذا يعلّمهم الروح الرياضية. فالنشاطات العائلية الترفيهية، تساهم في تعزيز ثقة الطفل في نفسه  وتطوّر لديه المهارات الاجتماعية.
كما أن تشجيع الأبناء على اللعب مع أبناء الأعمام، وتوطيد العلاقات الأسرية يؤثران في إدراك الطفل لهوّيته ويخلقان لديه شبكة دعم اجتماعي.

النشاطات الاجتماعية
من المهم جدّاً أن يشجع الأهل طفلهم على اللعب مع الأطفال الآخرين في الحي، أو تشجيعه على دعوة أصدقائه. فاللعب الموجّه مهم جدًا لتطوير المهارات الاجتماعية للطفل.
إذ يؤدي اللعب مع الأطفال الآخرين إلى تطوير مهارات الطفل القيادية. أما إذا كان الطفل خجولاً في طبعه فيمكن تعليمه بالطلب من الأطفال الآخرين، «هل يمكنني اللعب أيضًا؟» ولكن من دون إجباره على ذلك.
وبدلاً من ذلك، على الأم  تركه إلى أن يشعر بالتحفيز وبالأمان للانضمام إلى الآخرين واللعب معهم. كما على الأهل توفير ألعاب أو مواد مثيرة للاهتمام لجذب أطفال آخرين يشاركون طفلهم في اللعب.
كما ينصح التربويون الأهل بتشجيع أبنائهم على المشاركة في الرياضات الجماعية، ولكن عدم المبالغة في رزنامة النشاطات قد تكون له آثار نفسية سلبية مثل التوتر والاكتئاب.

المجلة الالكترونية

العدد 1074  |  أيار 2024

المجلة الالكترونية العدد 1074