black file

تحميل المجلة الاكترونية عدد 1094

بحث

"النويلاتي" يتفوّق ويعيد تعريف دراما البيئة الشامية

مسلسل "النويلاتي"

في موسم درامي ازدحم بأعمال البيئة الشامية التي تدور في فلك الحكايات المكرورة، برز "النويلاتي" كاستثناء لافت، لا لأنه فقط قدّم قصة مختلفة، بل لأنه أعاد التفكير في هذا النوع الدرامي من جذوره، في مقابل "اليتيم" الذي بدا امتداداً تقليدياً لنماذج استُهلكت بصرياً وسردياً.

منذ اللحظة الأولى، يفرض "النويلاتي" نفسه عبر فضائه البصري. حيّ النويلاتية ليس مجرد ديكور، بل كيان حيّ نابض بالتفاصيل، أُعيد بناؤه بعناية ليحاكي روح دمشق القديمة من دون الوقوع في استنساخها. الأزقة، الورش، نول الحرير، وحتى حركة الشخصيات داخل المكان، كلها عناصر تتكامل لتخلق عالماً مقنعاً ومتماسكاً. في المقابل، يكتفي "اليتيم" بإعادة تدوير الحارة الشامية بصورتها النمطية: ساحة، زعيم، بيوت متشابهة، زواج وطلاق، وزوايا مألوفة لم تعد تضيف أي قيمة بصرية جديدة، وكأن الديكور مجرد خلفية جامدة لا شريك فعلي في السرد.

هذا الفارق البصري يوازيه اختلاف جوهري في البناء النصي. "النويلاتي" يشتغل على فكرة الحرفة كمدخل فلسفي للصراع، حيث يتحول النول إلى استعارة كبرى تُنسج عبرها العلاقات والتحالفات والانكسارات. النص هنا تراكمي، يراهن على تطور الشخصيات ببطء وعمق، ويطرح أسئلة تتجاوز الحكاية المباشرة نحو مفاهيم السلطة والشرعية والانتماء. أما "اليتيم"، فينحاز إلى حبكة تقليدية تقوم على مفاجآت متلاحقة وأسرار عائلية وصراعات على النسب والميراث، في صيغة أقرب إلى "الميلودراما الهندية"، حيث تتقدم الصدمة على حساب المنطق، والتكرار على حساب التطور.

على مستوى الأداء، يرسّخ "النويلاتي" تفوقه من خلال اعتماد تمثيل داخلي هادئ، يركّز على التفاصيل الدقيقة والانفعالات المكبوتة. الشخصيات لا تصرخ لتُسمع، بل تُعبّر عبر نظراتها وحركتها داخل المشهد، ما يمنحها صدقية وإنسانية. في المقابل، يقع "اليتيم" في فخ الأداء الخارجي، حيث يطغى الانفعال المباشر والمبالغة في التعبير، فتبدو الشخصيات أقرب إلى نماذج جاهزة منها إلى كائنات درامية حيّة. لعل الفنانة شكران مرتجى كانت الأبرز في النجاة من هذا الفخ، بأداء متميز.


مسلسل اليتيم

مسلسل "اليتيم"

إخراجياً، يتعامل "النويلاتي" مع الكاميرا بوصفها عيناً سردية، تتحرك بوعي داخل المكان، وتلتقط التفاصيل التي تعمّق المعنى، مدعومة بإضاءة وموسيقى منسجمتين مع الحالة العامة. بينما يظل إخراج "اليتيم" تقليدياً، يعتمد على التغطية المباشرة للمشاهد من دون مغامرة بصرية حقيقية، ما يجعله أسير الإيقاع التلفزيوني المألوف.

حتى في نهايات العملين، يتجلى الفارق بوضوح. "النويلاتي" يختار خاتمة مفتوحة على التأويل، قائمة على تفكك داخلي للشخصيات وإعادة تشكيل موازين القوى، في طرح ناضج يحترم ذكاء المشاهد. أما "اليتيم"، فيذهب نحو نهاية حاسمة تقليدية: كشف الأسرار، الانتقام، وتسلّم البطل للزعامة، في مسار متوقع لا يحمل مفاجأة حقيقية.

الأهم من كل ذلك، أن "النويلاتي" نجح في تحقيق معادلة صعبة، إذ جمع بين القيمة الفنية والانتشار الجماهيري، فخلق حالة من التفاعل والنقاش حوله، مثبتاً أن التجديد لا يتعارض مع الوصول إلى الجمهور. في حين بقي “اليتيم” ضمن دائرة الاستهلاك السريع، يمرّ من دون أن يترك أثراً يُذكر خارج إطار المتابعة اليومية.

في المحصلة، لا يبدو "النويلاتي" مجرد عمل ناجح، بل خطوة متقدمة في مسار الدراما الشامية، تثبت أن هذا النوع قادر على التجدد متى توفرت الرؤية. أما "اليتيم"، فيعيد التأكيد على أن البقاء في المنطقة الآمنة قد يضمن الحضور، لكنه لا يصنع الفارق.

المجلة الالكترونية

العدد 1094  |  آذار 2026

المجلة الالكترونية العدد 1094