black file

تحميل المجلة الاكترونية عدد 1097

بحث

مايا واكد... الغناء وفاءً للذاكرة

مايا واكد

مايا واكد

مايا واكد

مايا واكد

في مشهد موسيقي عربي يتأرجح بين سرعة السوق وحنين الذاكرة، تشقّ مايا واكد طريقها بهدوء وثبات. لا تتعامل مع الغناء كمنتَج عابر، بل كمسؤولية إنسانية وثقافية، حيث يصبح الصوت مساحة للصدق، والانضباط وسيلة للحرية، والتراث مادة حيّة قابلة لإعادة الاكتشاف. في هذا الحوار، تفتح مايا أبواب تجربتها الشخصية والفنية، متأملةً في معنى الأصالة اليوم، وفي الرحلة الطويلة التي يصنعها الصوت قبل أن يصل إلى آذاننا وقلوبنا، وكيف يمكن الموسيقى أن تكون جسراً حيّاً بين الماضي والحاضر، لا تنازلاً عن أحدهما.


- يرفض عدد متزايد من الفنانين العرب فكرة الاضطرار للاختيار بين تكريم التراث الموسيقي وتقديم أنفسهم بروح معاصرة. كيف تفهمين هذا التوازن في تجربتك الشخصية؟

التراث ليس عبئاً أو قيداً، بل هو جسر ينتقل بين الماضي والحاضر. أنا لا أرى هذا الاختيار بين الأصالة والحداثة بمثابة قيد، بل فرصة لتجديد التراث وإعطائه حياةً جديدة. من خلال تجربتي الشخصية، أعتمد على إعادة تفسير الأغاني الكلاسيكية بطريقة تجسّد مشاعري وتترجمها إلى لغة العصر. هذه الموسيقى ليست مجرد تجميع نغمات، بل تجربة إنسانية متجدّدة تحاكي ذكرياتنا الجماعية في ظل تغيرات الزمن.

- في قطاع يتّسم بالتسارع والاتجاهات المتقلّبة، ما الذي يحتاج إليه الفنان اليوم ليغنّي بنزاهة، لا بردّ فعل؟

يحتاج الفنان أولاً إلى الإيمان العميق برسالته الفنية، وأن يحترم صوته الخاص. وفي عالمٍ يعج بالاتجاهات السطحية والمتغيّرة، يكون الحفاظ على النزاهة أصعب، لكنه أكثر قيمةً. يجب أن يبقى الفنان أميناً لقصته الشخصية وتجربته، وأن يكون مستعدّاً للغناء من قلبه ولا يركن إلى ما يطلبه السوق أو الجمهور. عندما تغنّي بصدق، تجد أن الجمهور يتفاعل معك لأنه يشعر بكل كلمة وبكل نغمة، وهذا هو النجاح الحقيقي.

- حدّثينا عن العمل الخفي وراء الموسيقى المدروسة والصادقة عاطفياً. لماذا برأيك يبقى هذا الجهد غير مرئي للجمهور رغم أثره العميق؟

الموسيقى ليست مجرد ألحان معروفة، بل رحلة طويلة تبدأ من الفكرة ثم التحضير والتدريب، وصولاً إلى التسجيل والدمج. هناك ساعات من العمل الذي لا يُرى، يبدأ من التمرين المتواصل وتكرار الأغاني حتى نصل إلى الأداء الكامل. هذا العمل الخفي ضروري لصنع موسيقى صادقة، لكنه غالباً ما يُنظر إليه على أنه شيء طبيعي أو مفروض. لكن في النهاية، الجهد الذي نبذله في التحضير ينعكس على الأداء، ويشعر الجمهور بذلك في أعماقهم، حتى وإن لم يعرفوا كيف وصلنا إلى هذا المكان.

- العاطفة جوهر أساسي في الموسيقى العربية. كيف يساعد الانضباط الفنان على نقل المشاعر بصدق من دون الوقوع في المبالغة أو الاستعراض؟

الانضباط هو المفتاح لكي تتحول العاطفة إلى رسالة صادقة وليس مجرد تأثير سطحي. عندما يكون الفنان مدرّباً على تقنيات الصوت بشكل جيد، يمكنه أن يترك مشاعر تنساب بحرّية من دون أن يشعر بالضغط لإظهارها بشكل مبالَغ فيه. الانضباط يسمح لي بأن أوازن بين الإحساس والمظهر الفني، ليدخل صوتي إلى القلب كما هو ومن دون أن يطغى عليه الأداء التقني أو يصبح استعراضاً. الفن يتطلب الحرية في التعبير، لكن الحرية تُكتسب من الانضباط.

- ما المسؤولية التي يتحمّلها الفنان عندما يقدّم موسيقى تحمل الذاكرة الجماعية، لا مجرد تعبير فردي؟ وأين تضعين نفسك داخل هذه المعادلة؟

عندما أقدّم موسيقى ترتبط بالذاكرة الجماعية، أعتبر نفسي الجسر الذي يعيد التواصل بين الماضي والحاضر. الموسيقى التي تحمل الذاكرة الجماعية ليست مجرد أغانٍ، بل هي قصص وحكايات وأحاسيس عاشت في وجدان الشعوب. وتكمن المسؤولية في الحفاظ على هذا التراث حيّاً مع إضافة لمستي الخاصة، لكي نبقى على صلة بالجمهور الحالي.

- هل تعتقدين أن اكتشاف الصوت الحقيقي يحتاج إلى سنوات من الاستماع الجيد، وضبط النفس، والتجارب الحياتية، أكثر من اعتماده على الموهبة وحدها؟

الصوت الحقيقي لا يقتصر على الموهبة فقط، بل هو ثمرة تجارب الحياة والاستماع الجيد والعمل المستمر. تعلّمت أن الصوت ليس فقط الأداة التي أستخدمها، بل هو انعكاس لتجاربي الشخصية ولأحاسيسي العميقة التي تولد من الحياة نفسها. الصوت الحقيقي لا يظهر بين ليلة وضحاها، بل ينضج مع الزمن، ومع كل تجربة عاطفية وفنية أعيشها. الموهبة هي بداية الطريق، لكن التحلّي بالصبر والانضباط والاستماع الى الآخرين وتجربة الحياة هي التي تصقل هذا الصوت وتجعل منه صوتاً حقيقياً ينبع من الأعماق.

- هل تتذكّرين لحظة على المسرح أو في الاستوديو شعرتِ فيها أن الأغنية تقودك، لا العكس؟ ماذا تعني لكِ تلك اللحظة اليوم؟

كلّ لحظة على المسرح يمكن أن تروى وتُحفظ في الذاكرة. قبل بضعة أشهر، عندما فُتح الستار مع بداية حفلي في دبي على مسرح زعبيل، اخترتُ أن أبدأ الأغنية من دون موسيقى كتحية خاصة لروح الملحّن الراحل زياد الرحباني. في تلك اللحظة حدث السحر، ساد صمت مريب، وحبس الجمهور أنفاسه... شعرت فعلاً بأنني انتقلت إلى مكان آخر، وأن الأغنية ولحنها كانا جناحَيّ. لحظات كهذه يمكن أن تحدث أيضاً في الاستوديو أثناء التسجيل. أخيراً في برلين، انفجرتُ بالبكاء بعد أحد التسجيلات، وبكيتُ على كتف المنتج الخاص بي لمدة خمس عشرة دقيقة، غارقةً في سيل المشاعر التي أيقظتها الأغنية في داخلي.

- كيف تبدأ الأغنية عندكِ غالباً: من كلمة، لحن، إحساس، أم صمت؟ وهل لديك طقوس خاصة ترافق لحظة الغناء؟

غالباً ما تأتي المسودة الأولى للأغنية من فكرة أو موضوع أودّ التعبير عنه. إذا كانت لديّ نغمة في ذهني مسبقاً، أبدأ بالعمل على الكلمات. وفي حالات أخرى، وخلال ماراثون الاستماع الذي أقوم به، أستمع إلى الموسيقى من مختلف الأنماط ومن كل أنحاء العالم. تولد لديّ فكرة لحن، فأناقشها مع المنتج الموسيقي لنرى كيف يمكننا تحويلها إلى واقع، أما الروتين الذي يسبق صعودي إلى المسرح، فبالطبع أحرص على الإحماء الصوتي قبل العرض بما لا يقل عن ثلاث ساعات. وقبل دقيقتين من الصعود، آخذ عادةً لحظة صمت وتنفّس عميق لصفاء الذهن واستعادة التركيز.

- ما أحدث مشاريعك الفنية؟ وماذا أضافت لكِ التجربة الإنسانية والفنية أثناء التحضير لهذه الأعمال؟

أعمل حالياً على بناء مفهوم جديد لعرض فني أخطّط لتقديمه في دولة الإمارات ومنطقة الخليج. يتضمن هذا المشروع مجموعة جديدة من الألحان التي تتواصل بشكل مباشر مع الجمهور الخليجي. أنا دائماً في حالة بحث واستكشاف، وهذا النهج في عملي وموسيقاي يتيح لي الاستمرار في التطور وتجربة مسارات جديدة. هذه التجربة تقرّبني من نفسي وتعلّمني الإصغاء الى مشاعري بدون خوف، وهو ما انعكس بوضوح على اختياراتي الفنية.

- في مواجهة التحديات والصعوبات في مسيرتك الموسيقية، كيف حافظتِ على رؤيتك الفنية؟ وهل هناك لحظة شعرتِ فيها بأنك تخطيتِ اختباراً حاسماً؟

أحاول دائماً أن أكون صادقة مع نفسي، مخلصة وحقيقية في ما أقدّمه. فالموسيقى والكلمات التي أنتجها يجب أن تعبّر عن هويتي وشخصيتي بصدق، لأن رؤيتي الفنية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بي كامرأة وكإنسانة قبل أن أكون فنانة. أشعر دائماً أن رسالة الفنانة الأساسية هي أن تتواصل مع الجمهور على المستوى الإنساني أولاً، وقبل أي شيء آخر.

- ما الإنجاز الأقرب إلى قلبك حتى الآن؟ وهل غيّر هذا الإنجاز مسارك أو رؤيتك لما تريدين تقديمه مستقبلاً؟

أشعر بالفخر بكل عمل قمتُ بإصداره وإنتاجه حتى اليوم، وهذا يُسعدني كثيراً. أنا أستمتع بما أقدّمه، وأقيّم النجاح دائماً على المستوى الشخصي أولاً. أحرص بنفسي على متابعة كل الملاحظات وردود الفعل التي أتلقاها بعد كل إصدار أو عرض، أستمع لما يقوله الجمهور، وأواكب التغطية الصحافية باهتمام. أنا فخورة جداً بالعرض الذي قدّمته أخيراً على مسرح زعبيل في دبي، فقد علّمني هذا العرض الكثير عن توقعات الجمهور، واكتسبت خبرة من الأثر الإيجابي الذي تركه. ومع كل تجربة، تتضح لديّ أكثر أهمية وجود الفرقة الموسيقية المناسبة والفريق الصحيح لمثل هذه الفعاليات، وسأحرص دائماً على بذل قصارى جهدي لضمان نجاح كل عرض أقدّمه.

- ما النصيحة التي توجّهينها الى الفنانين الشباب الذين يشعرون بالحيرة بين متطلبات السوق والحفاظ على صدقهم الفني؟

أنصح الفنانين الشباب بأن يمنحوا أنفسهم الوقت الكافي لاكتشاف صوتهم الحقيقي، وألّا يتخلّوا عن صدقهم الفني تحت ضغط متطلبات السوق. يمكن الموازنة بين الاثنين، لكن الأساس هو أن يكون العمل نابعاً من الداخل ويحمل بصمة صادقة، لأن الجمهور يشعر بالصدق ويميّزه. التجربة والخطأ جزء من الرحلة، وكذلك التطوّر والتغيير، لكن من المهم ألّا يكون ذلك على حساب الهوية الفنية.

- بعد كل هذه الرحلة، ما السؤال الذي ما زالت الموسيقى تطرحه عليكِ ولم تجدي له جواباً بعد؟

ما زالت الموسيقى تطرح عليّ سؤالاً أساسياً: كيف يمكنني أن أترجم كل مشاعري وتجربتي الإنسانية بطريقة تصل بصدق إلى قلوب الناس؟ رغم كل التجارب والعروض، أجد أن هناك دائماً مساحة للتعلّم، ومساراً لا ينتهي من البحث عن الأصالة والتواصل الحقيقي. الموسيقى بالنسبة إليّ ليست مجرد صوت، بل رحلة مستمرة لفهم الذات والعالم من حولي، وما زال هذا السؤال يرافق كل عمل جديد أقدّمه.

المجلة الالكترونية

العدد 1097  |  حزيران 2026

المجلة الالكترونية العدد 1097