نور مرزوقي... حين تتحول المعرفة إلى أثر
نور مرزوقي
رائدة الأعمال السعودية نور مرزوقي
خلف كل إنجاز كبير، حكاية تبدأ بالشغف والإيمان بالفكرة. هكذا تبدو رحلة نور مرزوقي، رائدة الأعمال السعودية، التي استطاعت أن تحوّل فضولها المعرفي وشغفها بالتواصل إلى مسيرة ريادية تركت بصمتها في صناعة المنتديات والمنصّات الفكرية بالمملكة. وبين قيادة المشاريع وبناء التجارب المعرفية، تؤمن نور بأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما ننجزه فحسب، بل بما نتركه من أثرٍ يمتد بعد انتهاء اللحظة.
في هذا الحوار، تفتح نور مرزوقي صفحات من رحلتها الشخصية والمهنية، وتتحدث عن أحلام الطفولة، وأصعب محطات ريادة الأعمال، وكيف تطور مفهوم النجاح لديها مع مرور السنوات، كما تشارك رؤيتها لمستقبل المعرفة، ودور المرأة السعودية، والطموحات التي ما زالت تدفعها نحو آفاقٍ أوسع.

نور مرزوقي شغفٌ بالمعرفة وطموحٌ يصنع الأثر
- لو طُلب منكِ أن تصفي نفسكِ بعيداً من المناصب والألقاب المهنية، كيف تقدّمين نور مرزوقي للقارئ؟
قبل أي منصب أو لقب، أُعرّف نفسي بأنني إنسانة شغوفة بالتعلّم لا تتوقف عن طرح الأسئلة. أرى نفسي جسراً بين الأفكار والناس والفرص؛ أستمتع باللحظة التي تلتقي فيها فكرةٌ بعقلٍ يحتاج إليها، أو شخصٌ بفرصةٍ تنتظره. تحرّكني القيم أكثر من المناصب: الأصالة، والفضول، والإيمان بأن أجمل ما نتركه هو أثرٌ في عقول الآخرين وقلوبهم. أنا في جوهري صانعة معنى، أحبّ أن أحوّل الأفكار المجرّدة إلى تجارب يشعر بها الناس ويتذكرونها.
- ما أول حلم راودكِ في طفولتكِ؟ وهل ترين أي رابط بين ذلك الحلم وما حققتهِ اليوم؟
منذ الطفولة كنت مفتونة بالكلمات والحكايات، وكنت أؤمن بأن للكلمة قدرةً على أن تفتح عوالم. لم يكن حلمي محصوراً في مهنة بعينها بمقدار ما كان رغبةً في أن أفهم كيف يفكّر الناس وكيف يتواصلون. واليوم، حين أنظر إلى ما أبنيه - تجارب معرفية تجمع العقول حول طاولة واحدة -، أرى الخيط نفسه ممتداً: الطفلة التي أحبّت الكلمة أصبحت تصمّم المساحات التي تُقال فيها أهمّ الكلمات. الأحلام تتطوّر، لكن جوهرها يبقى.
- ما أكثر تجربة شكّلت شخصيتكِ ورسّخت ثقتكِ بنفسكِ كرائدة أعمال وقائدة؟
أكثر ما رسّخ ثقتي بنفسي كان قرار أن أبني Workshop X من الصفر، من دون شبكة أمان، في مجالٍ لم يكن له تعريف واضح بعد. أن أجلس على طاولة واحدة مع جهات حكومية ومؤسسات دولية، وأقدّم رؤيةً لا أملك سوى قناعتي بها، وهذا علّمني أن الثقة لا تأتي من غياب الخوف، بل من المُضيّ فيه رغم وجوده. كل مؤتمرٍ نجح، وكل تحدٍّ تجاوزته، أضاف طبقةً جديدة من اليقين بأنني قادرة على صناعة الأثر الذي أؤمن به.
- بناء شركة ناجحة من الصفر يتطلب الكثير من الإصرار. ما أصعب لحظة مررتِ بها خلال هذه الرحلة، وكيف تجاوزتها؟
ريادة الأعمال تبدو من الخارج سلسلةً من اللحظات اللامعة، لكنها في الحقيقة تُبنى في اللحظات الصعبة التي لا يراها أحد. أصعب ما مررتُ به كان فترات عدم اليقين، حين كان عليّ أن أتّخذ قرارات مصيرية للشركة من دون ضمانات، وأن أحافظ على إيمان فريقي ورؤيتنا في الوقت ذاته. ما أنقذني لم يكن الحظ، بل العودة دائماً إلى السؤال: ما القيمة التي نصنعها؟ حين تتمسّك بالقيمة الحقيقية لما تقدّمه، تجد طريقاً حتى في أضيق الظروف. تعلّمت أن الصعوبات ليست عثرات، بل نقاط تحوّل.
- انطلقتِ بـ Workshop X من فكرة إلى شركة تقف اليوم خلف عدد من أبرز المنتديات والمنصّات المعرفية في المملكة. ما الرؤية التي كانت لديكِ منذ البداية، وكيف تطوّرت مع نمو الشركة؟
بدأت Workshop X من قناعة بسيطة لكنها عميقة: أن المؤتمرات والمنتديات ليست مجرد فعاليات تُقام، بل تجارب معرفية يجب أن تُهندَس بعناية لتترك أثراً يدوم بعد انطفاء الأضواء. كانت الرؤية أن نصمّم المساحات التي يلتقي فيها الفكر بالفعل. ومع التحوّل الكبير الذي تعيشه المملكة ورؤية 2030، نضجت هذه الرؤية: لم نعُد نصمّم تجارب فحسب، بل نساهم في صناعة الحوار الوطني، ونبني شراكات معرفية، ونعيد تعريف ما يمكن أن يكون عليه المؤتمر. تطوّرت الشركة من فكرة إلى شريك استراتيجي تثق به كبرى المؤسسات.
- كيف أثّرت دراستكِ للغويات والعلاقات الدولية في طريقة تفكيركِ وإدارتكِ للأعمال؟
دراستي للّغويات علّمتني أن أُصغي لما وراء الكلمات؛ أن أفهم كيف تُبنى الرسائل وكيف تصل، وهذا جوهر كل ما نصنعه في تصميم التجارب. أمّا العلاقات الدولية فمنحتني عدسةً أوسع: القدرة على رؤية الصورة الكبرى، وفهم تعدّد وجهات النظر والسياقات الثقافية، والتفكير الاستراتيجي في عالمٍ مترابط. المجالان معاً جعلاني أؤمن بأن التواصل الحقيقي لا يكون بالكلام فقط، بل بفهم الإنسان الذي يقف أمامي. وما زلتُ أطبّق هذا الدرس في كل قرار قيادي أتّخذه.
- ماذا يعني لكِ مفهوم النجاح اليوم؟ وهل تغير تعريفكِ له مع مرور السنين؟
تغيّر تعريفي للنجاح كثيراً. في البدايات كنت أقيسه بالإنجازات الظاهرة: مشروعٌ يكتمل أو منصةٌ تُطلق. أمّا اليوم فأصبح النجاح بالنسبة إليّ أعمق وأهدأ: أن أصنع أثراً يبقى، وأن أرى فريقي ينمو، وأن أساهم في محادثاتٍ تُحدث فرقاً حقيقياً. أدركتُ أن النجاح ليس وجهةً نصل إليها ونتوقف، بل رحلة من التعلّم المستمرّ والمعنى. أنا أنجح حين أشعر بأن ما أصنعه أكبر مني، وأنه سيستمرّ حتى بعد أن أبتعد عنه.
- كيف تبدو يوميات نور مرزوقي خارج أجواء الاجتماعات والمؤتمرات والعمل؟
أحبّ الحياة في تفاصيلها البسيطة. أجد راحتي في القراءة، خصوصاً في التاريخ والثقافة الإسلامية التي تمنحني منظوراً أعمق للحاضر. ولديّ شغفٌ صغير قد يفاجئ البعض: تربية البطّ في بيتي؛ لحظات الهدوء معها تذكّرني بأن الجمال يكمن في البساطة. أستعيد طاقتي بالابتعاد عن الشاشات، وبالوقت مع مَن أحب، وبالعودة إلى الطبيعة. هذه اللحظات الهادئة هي ما يغذّي إبداعي حين أعود إلى العمل.
- ما العادات أو الطقوس اليومية التي تساعدكِ في الحفاظ على التوازن بين حياتكِ الشخصية والمهنية؟
أؤمن بأن التوازن ممارسة يومية لا حالة ثابتة. أبدأ يومي بلحظة هدوء قبل أن يبدأ زحام المهام، وقتٌ أصفّي فيه ذهني وأحدّد أولوياتي. أحرص على وضع حدود واضحة بين العمل والحياة، وعلى أن أمنح نفسي مساحةً للتفكير لا للتنفيذ فقط. القراءة، والكتابة، والابتعاد المتعمَّد عن الضجيج الرقمي، كلها طقوسٌ تعيد إليّ صفائي. تعلّمت أن العناية بالذات ليست رفاهية، بل شرطٌ لأي قيادة مستدامة.
- كيف ترين تطور دور المرأة السعودية خلال السنوات الأخيرة، وما أكثر ما يبعث فيكِ التفاؤل تجاه المستقبل؟
التحوّل الذي عاشته المرأة السعودية في السنوات الأخيرة يفوق ما كنا نحلم به. أصبحت المرأة حاضرةً في القيادة، وريادة الأعمال، والابتكار، وفي قاعات صنع القرار. ورؤية 2030 لم تفتح الأبواب فحسب، بل غيّرت السقف الذي نرسمه لأنفسنا. وأكثر ما يبعث فيّ التفاؤل هو الجيل القادم من الفتيات اللواتي يكبرن وهنّ يرين النساء قائدات؛ بالنسبة إليهنّ، القيادة ليست استثناءً بل هي احتمال طبيعي. وأنا فخورة بأن أكون جزءاً من هذه القصة، وأن أفتح بدوري أبواباً لمَن يأتين بعدي.
- بعد العمل على مبادرات وطنية ودولية مؤثّرة، ما القضية أو الموضوع الذي يشغلكِ شخصياً أكثر من غيره؟
ما يشغلني شخصياً هو سؤال: كيف نحوّل المملكة من مستهلكٍ للمعرفة إلى صانعٍ ومصدِّرٍ لها؟ أؤمن بأن لدينا من العمق الحضاري والفكري ما يستحق أن يُروى بلغتنا وصوتنا، لا أن نستورد دائماً نماذج الآخرين. يهمّني أن نصمّم تجارب معرفية تنبع من هويتنا وتخاطب العالم في آنٍ واحد. وأقرب القضايا إلى قلبي هي تمكين الأصوات الشابة والنسائية لتجد منصّتها، لأنني أعرف من تجربتي كم يصنع وجود منصة واحدة فرقاً في مسار إنسان.
- ما النصيحة التي كنتِ تتمنين سماعها عندما بدأتِ رحلتكِ المهنية لأول مرة؟
كنت أتمنّى لو سمعت في بداياتي: لا تنتظري أن تكوني جاهزةً تماماً قبل أن تبدئي، الجاهزية تأتي مع الطريق لا قبله. وأن الأخطاء ليست فشلاً بل جزء أصيل من النمو؛ كل تعثّرٍ علّمني أكثر مما علّمني أي نجاحٍ سهل. كنت سأقول لنفسي الشابّة: ثقي بحدسك، وكوني صبورةً مع رؤيتك، فالأثر الحقيقي يُبنى ببطء. ولا تقارني رحلتك بأحد، فلكل بذرةٍ موسمها الخاص.
- عندما تنظرين إلى المستقبل، ما الحلم أو الهدف الذي ما زال يحمّسكِ وتسعين لتحقيقه؟
ما زال يحمّسني حلمٌ كبير: أن تصبح Workshop X مرجعاً إقليمياً ودولياً في هندسة التجارب المعرفية، وأن نصدّر نموذجاً سعودياً يُحتذى به. أطمح أيضاً إلى توسيع أثرنا عبر مشاريعنا الجديدة مثل XP، وإلى الإسهام في بناء منظومة معرفية متكاملة في المملكة. لكن على المستوى الأعمق، ما يحمّسني هو الاستمرار في التعلّم والنمو، أن أبقى تلك الإنسانة الفضولية التي بدأت الرحلة. أجمل الأحلام هي تلك التي تتّسع كلما اقتربنا منها.
الأكثر قراءة
إطلالات النجوم
إطلالات ميريام فارس الصيفية: فخامة برادا وفندي...
أخبار النجوم
أصبحت في العشرين.. دهب ابنة سلافة معمار تبرز...
إطلالات النجوم
سحر الأحمر: ياسمين عبد العزيز وكارولين عزمي...
أخبار الجمال
تعرّفوا إلى أطول نجمات العرب وأقصرهن قامةً......
إطلالات النجوم
إطلالة صبا مبارك في دير جيست: سحر الفتحات...
المجلة الالكترونية
العدد 1099 | آب 2026
