دالي جو صاروفيم: تخليت عن جلدي القديم حتى أنضج فنياً
دالي جو صاروفيم
تمكنت شخصية "تمارا" في مسلسل "ممكن" من لفت الانتباه عبر تقديم قالب مختلف وواقعي لنموذج الراقصة. وراء هذا الأداء، تقف الممثلة اللبنانية دالي جو صاروفيم، التي استندت إلى خلفيتها الأكاديمية لتقديم دور يعكس تطورها ونضجها المهني.
في هذه المقابلة الخاصة مع مجلة "لها"، تتحدث صاروفيم بوضوح ورصانة عن كواليس العمل، مستعرضة التحديات المهنية والنفسية التي رافقت التصوير في ظل ظروف أمنية معقدة، إلى جانب تفصيل مسارها الأكاديمي وتأثير دراستها للمسرح في فرنسا على إعادة صياغة أدواتها التمثيلية.

الممثلة دالي جو صاروفيم
تحديات بناء الشخصية بعيداً عن القوالب النمطية
- كيف تصفين تجربتكِ في مسلسل «ممكن» بكلمة واحدة أو جملة قصيرة؟
أقول: "محظوظة". أنا محظوظة لأنه تم اختياري لأكون جزءاً من مسلسل «ممكن»، ومحظوظة بشخصية "تمارا" تحديداً؛ لأنها بعيدة كل البعد عني وعن عالمي الحقيقي. هذا التناقض كان من أكثر الأمور التي حمستني كممثلة، فأنا أعشق الأدوار التي تأخذني إلى مساحات جديدة وتدفعني للبحث، والاكتشاف، وخلق شخصية لا تشبهني إطلاقاً.
- ما الذي حمسكِ في البداية للموافقة على هذا المشروع، خصوصًا مع حساسية دوركِ تحديدًا؟
بصراحة، ما حمسني هو "عالم الشخصية" والتحدي الكامن فيها. "تمارا" فتحت لي باباً لغوص بحثي غني، وقربتني من نماذج وقصص موجودة بالفعل في مجتمعنا. أحب دائماً أن أرى الشخصية كإنسانة أولاً، بعيداً عن أي أحكام مسبقة أو جاهزة؛ لأن "تمارا" في النهاية هي امرأة تحمل قصتها، وظروفها، وتجاربها التي أوصلتها إلى هذا المكان، وكان دوري يكمن في فهمها وإبراز إنسانيتها.
وبما أن مساحة "تمارا" وتطورها الدرامي كانا محدودين بعض الشيء على الورق، حاولت بناء عالمها الداخلي من مخيلتي قدر الإمكان. عملت على ماضيها، طريقة تفكيرها، حركتها، نبرة صوتها، وتفاصيل صغيرة تساعدني على إدراك هويتها الحقيقية بمجرد وقوفي أمام الكاميرا. وطبعاً، وجود جهة بحجم شركة الصبّاح، والمخرج أمين درة، والنجمة نادين نسيب نجيم، وكل فريق العمل الرائع، شكل دافعاً أساسياً شجعني لأكون جزءاً من هذا المشروع.
- لاحظنا أنكِ أديتِ دور الراقصة بأسلوب مختلف وبعيد عن الابتذال. كيف تعاملتِ معه؟ وهل أضفتِ إليها شيئًا منكِ؟
بالتأكيد، منحتها الكثير مني ومن ذوقي الخاص. قمت ببحث مكثف، وشاهدت شخصيات وأفلاماً عديدة، واستلهمت تفاصيل من أشخاص ومواقف كنت قد اختزنتها في ذاكرتي، ومزجت كل ذلك مع مخيلتي، لتبصر "تمارا" النور شيئاً فشيئاً.
والجميل في الأمر أنني بمجرد ارتداء "بدلة الرقص"، استعدت طفولتي حين كنت أعتلي المسرح وأقدم استعراضات راقصة، فقد كان حلمي قديماً أن أكمل مسيرتي في الرقص. ورغم أن الحياة أخذتني نحو التمثيل، عاد الرقص إليّ بعد كل هذه السنوات من بوابة هذه الشخصية. أنا أؤمن بأنني أمنح كل شخصية جزءاً مني، وهي بدورها تستخرج مني طاقات ومشاعر لم أكن أدرك وجودها.

في كواليس مسلسل ممكن
كواليس التصوير في ظروف استثنائية وتفاعل الجمهور
- كل عمل فني يفرض ضغوطًا وتحديات. ما أكبر تحدٍ واجهكِ خلال التحضير أو أثناء أيام التصوير الطويلة؟
التحضير بحد ذاته لم يكن تحدياً بالنسبة لي؛ بل على العكس، هو من أكثر الأشياء التي أعشقها في مهنتي. تحضير الشخصية هو شغفي الخالص؛ قد أكون نائمة وتخطر ببالي فكرة أو تفصيل يخص الشخصية، فأستيقظ فوراً لتدوينه. أراقب الناس باستمرار، ألاحظ حركاتهم وطريقة حديثهم، وأخزن في عقلي أي تفصيل أشعر أنه قد يمنح الشخصية خصوصيتها المتفردة.
حتى أنني أمتلك عادة غريبة وخاصة: كل شخصية ألعبها أخصص لها "حذاءً" معيناً. بمجرد أن أرتديه وأقف، أشعر أن جسدي وطريقة وقوفي ومشيتي تتغير تلقائياً لأصبح أقرب لروح الشخصية.
أما التحدي الحقيقي، فتمثل حين توقف التصوير واضطررنا للبقاء حوالي 45 يوماً في حالة انتظار وترقب (Standby). هذا الأمر شاق جداً على الممثل، لأنك تكون مشبعاً بالشخصية وتعيش قصتها وإيقاعها، وفجأة يتوقف كل شيء. الحفاظ على تلك الحالة الداخلية لفترة طويلة ثم استعادتها ليس أمراً يسيراً.
والتحدي الأصعب، بطبيعة الحال، كان التصوير في ظل الحرب. كان القصف والأحداث المأساوية تدور في الخارج، بينما كان لزاماً علينا الدخول إلى موقع التصوير، التركيز المطلق، وعيش عالم آخر تماماً أمام الكاميرا. قدرتك على فصل خوفك وقلقك الإنساني عن الشخصية والبقاء حاضراً في المشهد كانت من أصعب وأغرب التجارب، وهذا ما جعلني أكنّ تقديراً مضاعفاً لكل فرد من فريق العمل الذي استمر وأنجز في ظل هذه الظروف القاهرة.
- في عصر السوشيال ميديا وسرعة الانتشار، كيف تابعتِ تعليقات الجمهور؟ وهل هناك تعليق أو نقد معين لفت انتباهكِ وتفاعلتِ معه شخصيًا؟
أحب متابعة ردود أفعال الجمهور بشغف، خصوصاً عندما ألمس أنهم التقطوا التفاصيل الدقيقة التي تعمدت إدراجها في الشخصية.
ومن أكثر التعليقات التي أضحكتني من القلب، كان بعد "مشهد الثوم" الشهير، حين كتب لي أحدهم: "يا لخسارة الأنوثة.. لقد ضاعت بالكامل!" (تضحك). وضحكت أكثر عندما علق آخر بما معناه: "المخرج يمتلك ذائقة فنية عالية؛ لأنه رأى فيك خفة الظل، ولم يقتصر على الشكل الخارجي الجذاب".
لكن التعليقات الأقرب إلى قلبي كانت من أولئك الذين أشادوا بخفة دم "تمارا" وحلاوة روحها، متمنين لو طالت مساحة ظهورها. هذا النوع من التعليقات يغمرني بالسعادة؛ لأنه يثبت أن الجمهور لم يكتفِ برؤية القالب الخارجي للشخصية، بل وصلت إليه روحها وإنسانيتها، وهذا هو الأهم بالنسبة لي.
كيف تصفين "الكيمياء" والتعاون بينكِ وبين باقي النجوم وصُنّاع العمل، وتحديداً النجمة نادين نسيب نجيم، خاصةً أنكِ حرصتِ على تهنئتها إثر فوزها بجائزة "أفضل ممثلة"؟
كنت محظوظة جداً في هذا المشروع. المخرج أمين درّة فنان رائع، والأهم من ذلك أنه إنسان راقٍ ومحترم لأبعد الحدود.
أما مع نادين، فالكيمياء كانت ساحرة وجميلة جداً. في البداية، كنت أشعر ببعض الخجل تقديراً واحتراماً لمكانتها، لكني سرعان ما اكتشفت إنسانة قريبة جداً للقلب، متواضعة، وكريمة في تعاملها. لقد أحببتها كثيراً وأتمنى أن يجمعنا عمل آخر قريباً.
ولا يمكنني أن أنسى القديرة رولا حمادة، التي أقف أمامها كطالبة تتعلم باستمرار، والفنانة إنجو ريحان التي أعتبرها "حبيبة قلبي". في النهاية، هذا النوع من المشاريع لا ينتهي بانتهاء آخر يوم تصوير؛ بل يرافقك دائماً، لأن الأشخاص الذين التقيت بهم أصبحوا جزءاً من جمال التجربة وذكرياتها الدافئة.

دالي جو صاروفيم في موقع التصوير
النضج الأكاديمي وإعادة صياغة الهوية الفنية
- لاحظنا تطوراً لافتاً في أدائكِ منذ أعمالكِ الأولى حتى الآن، حيث بدا نضجكِ التمثيلي واضحاً.. ما هو سر هذا التطور؟
سأتحدث بمنتهى الصراحة: في بداياتي الأولى، لم أكن أدرك أين أنا، وما الذي أتى بي إلى هذا العالم، ولا حتى ماذا كنت أفعل.
ولكن عندما دخلت المهنة وسحرتني تفاصيلها، أعدت حساباتي من جديد. أدركت أن ما قدمته في البداية لا يشبهني ولا يعكس سقف طموحاتي. حينها، اتخذت قراراً بالانسحاب لفترة، لأدرس، وأعمل على تطوير ذاتي وثقافتي وأدواتي الفنية. باختصار، قررت "الانسلاخ عن جلدي القديم".. وهذا القرار لم يكن سهلاً على الإطلاق.
أصبحت أكثر انتقائية ووعياً بما أقرأ، وبما أشاهد، وبما أستمع إليه، لكي أملأ خزاني الفني. حتى أنني اتخذت قراراً بالعودة إلى الجامعة للتخصص في المسرح، وكان من أجمل وأهم قرارات حياتي.
أنا أؤمن بأن الفن يزداد جمالاً مع النضج والتجارب التي نعيشها. ما تشاهدونه اليوم هو ثمرة عمل دؤوب وشغف لا ينضب. ومع ذلك، لا زلت أشعر أنني لم أقترب بعد من تفريغ كل الطاقات والقدرات الكامنة بداخلي كممثلة.
- أخبرينا أكثر عن خطوة دراستكِ للتمثيل في الخارج.. ما هي الأسباب التي دفعتكِ لذلك، وما حجم الاستفادة منها؟
صحيح، بعد أن تخصصت في المسرح، حصلت على منحة دراسية في فرنسا وأكملت درجة الماجستير في جامعة Aix. كانت تجربة غنية وعميقة جداً؛ فالسفر والدراسة في الخارج يفتحان آفاقك على ثقافات وتجارب إنسانية جديدة، ويغذيان روحك الفنية بأسلوب مختلف تماماً.
كما أتيحت لي فرصة رائعة للعمل في مسرحيات مع طلاب من جنسيات متنوعة، وقدمنا عرضاً في فرنسا، وكانت تجربة استثنائية وجديدة. وبصراحة، لا أزال أحتفظ بنفس العقلية حتى اليوم: كل يوم يحمل لي شيئاً جديداً لأتعلمه، فعمل الممثل على تطوير ذاته لا يتوقف أبداً.
وما هو هدفكِ القادم؟
أن تُعرض عليّ شخصية أستطيع أن أضع فيها شيئاً حقيقياً مني، من تجاربي ومن كل ما عشته، لأتمكن من خلالها من إيصال رسالة صادقة تلامس قلوب الناس. أنا مؤمنة بأن حتى التجارب القاسية التي نمر بها في الحياة ليست عبثاً؛ فهي في النهاية ما يشكلنا وتصبح جزءاً من مخزوننا العاطفي كممثلين. وبطبيعتي كإنسانة حساسة، أراقب كثيراً، أفكر، وأحلل، وتجربتي في الحياة غنية وثرية.
اليوم، تولدت لدي قناعة راسخة بأنني لا أريد مجرد "التواجد" في أي عمل درامي؛ بل أريد أن أكون "إضافة" حقيقية له. أريد للشخصية القادمة أن تستفزني، أن تستخرج مني طاقات في مناطق لم أطأها بعد، وأن تتيح لي تقديم فن يبقى في ذاكرة الناس طويلاً بعد انتهاء العمل. وأعتقد أن هذا هو التحدي الحقيقي الذي أنتظره بشغف.

الفنانة دالي جو صاروفيم
الأكثر قراءة
مشاهير العرب
مي العيدان تخرج عن صمتها بسبب ملف فنان وفنانة...
عائلات ملكية
فرحة أميرية: صور مراسم عقد قران الشيخة ليان...
أخبار النجوم
سبب وفاة حفيد ماجد المصري.. الكشف عن تفاصيل...
إطلالات النجوم
"أشبه نفسي أكثر".. روبي تستقبل عيد ميلادها...
أخبار النجوم
في عيد ميلادها الـ45.. كيف تمردت روبي في الموضة...
المجلة الالكترونية
العدد 1099 | آب 2026
