black file

تحميل المجلة الاكترونية عدد 1093

بحث

"الخروج إلى البئر": دراما تتفوق على اللحظة... تسأل التاريخ وبشار الأسد يجيب!

كارمن لبس

كارمن لبس

قاسم ملحو

قاسم ملحو

نضال نجم

نضال نجم

يوسف حداد

يوسف حداد

في لحظة درامية فارقة من تاريخ سوريا، يطلّ مسلسل "الخروج إلى البئر" كعمل لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يعيد مساءلة المرحلة كلّها. ليس مجرد مسلسل عن سجن، ولا عن حقبة سياسية مضطربة، بل هو تفكيك عميق لبُنية الخوف، والسلطة، والالتباس الأخلاقي الذي عاشته البلاد طوال عقدين.


نصّ يعرف ماذا يريد

يبرع الكاتب سامر رضوان في الابتعاد عن المباشرة والشعارات. لا يقدّم مرافعة سياسية، ولا بياناً اتهامياً، بل يشتغل على الإنسان داخل العاصفة. شخصياته ليست أدوات خطاب، بل كائنات حيّة تتصارع مع ماضيها، مع ضعفها، ومع خياراتها المحدودة.

ذكاء النص يتجلّى في بنائه المتوازي: ما يجري داخل الزنازين ليس معزولاً عمّا يحدث خارجها. السجن هنا ليس مكاناً فقط، بل حالة ذهنية تمتد إلى البيوت والحدود والعلاقات. كل خيط سردي في الخارج يعكس ارتداده داخل الجدران الصمّاء، والعكس صحيح. هذا التشابك يمنح العمل توتراً مستمراً، ويجعل كل مشهد يحمل وزناً درامياً يتجاوز حدوده المباشرة، إلى جانب الذكاء في كشف شبكة عنكبوتية حاكها النظام السوري السابق من اليمين إلى اليسار، داخل الحدود وخارجها، عسكرياً ومدنياً، تاركاً الخيوط بيده، وغالباً ما تكون أدوات خنق جسدي وفكري.

الكتابة أيضاً تتجنّب ثنائية الأبيض والأسود. لا قداسة مطلقة ولا شيطنة جاهزة. الشخصيات الدينية، الأمنية، وحتى المدنية، تُقدَّم ضمن تناقضاتها، لا ضمن قوالب نمطية. وهذا ما يرفع مستوى النقاش ويضع المُشاهد أمام مسؤولية التفكير، لا التلقّي السلبي، مع تمتعه بالتشويق الدرامي المتصاعد بشكل دائم.


محمد لطفي

محمد لطفي

إخراج يشتغل على التفاصيل لا الاستعراض

الإخراج يتعامل مع النص بوعي بصري واضح. كاميرا محمد لطفي ليست متفرّجة، بل شريكة في صناعة المعنى. زوايا التصوير داخل السجن تضيق تدريجاً لتكرّس الإحساس بالاختناق، بينما المَشاهد الخارجية تمنح مساحة بصرية أوسع، لكن من دون أن توحي بالحرية الكاملة. حتى الفضاء المفتوح مشوب بقلق دائم.

الإيقاع مدروس بعناية. لا استعجال في كشف الأوراق، ولا مطّ مفتعلاً للأحداث. كل انتقال بين خط وآخر يبدو منطقياً وعضوياً، ما يعكس سيطرة إخراجية على البنية المعقّدة للنص.


جمال سليمان

جمال سليمان

أداء تمثيلي من العيار الثقيل

يحمل جمال سليمان ثقل الشخصية الرئيسية بأداء داخلي عميق. يعتمد على الاقتصاد في الانفعال، ويترك للعينين مهمّة قول ما لا يُقال. تحوّلات الشخصية تأتي تدريجية ومقنعة، بعيداً من القفزات الدرامية السهلة.

في المقابل، يقدّم عبد الحكيم قطيفان شخصية مركّبة لا يمكن اختزالها في خانة واحدة. حضوره قائم على مزيج من البرود الظاهري والاشتغال النفسي العميق، ما يخلق مواجهة مشوّقة ومشدودة بينه وبين سليمان.

ولا يمكن إلا التوقف عند أداء كارمن لبس المؤثّر بشخصية "سمية"، المبنية بطبقات عدة بين الماضي والحاضر، بين الحجاب وعدمه، بين الحبيبة والأم والمرأة... والمواطنة، تعرف كيف تفرد المساحة لكل منطقة درامية، رغم تعقيد الدور وأنماطه المختلفة.

اللافت أيضاً أن الأدوار الثانوية لم تُترك هامشية. كل ممثل يملك لحظته الخاصة، ومساحته الدرامية التي تضيف مستوى جديداً إلى المشهد العام. هذا الانسجام يعكس إدارة ممثلين دقيقة، ورؤية إنتاجية لا تعتمد على نجم واحد بل على نسيج متكامل.

ولفت مشهد متداول الأنظار إلى مشاركة خاصة بصوت الرئيس السوري السابق بشار الأسد، من خلال مكالمة هاتفية مع شخصية "اللواء ناصيف"، حيث يقول إن على الأميركيين والعراقيين إدراك ضرورة التفاهم معه شخصياً، في حوار أجاب على أسئلة حول كيفية تفكيره، وكيفية سير الأمور في ظل نظامه.


عبد الحكيم قطيفان وجمال شقير ونضال نجم

عبد الحكيم قطيفان وجمال شقير ونضال نجم

إنتاج يليق بالفكرة

من حيث الصورة، الديكور، الأزياء، والإضاءة، يبدو واضحاً أن العمل حظي بعناية إنتاجية حقيقية. السجن ليس خلفية كرتونية، بل فضاء حيّ بتفاصيله الدقيقة. حتى البيوت والشوارع تحمل روح المرحلة من دون مبالغة أو استعراض، رغم أنها تعود إلى الماضي بما يقارب العقدين من الزمن، ما استدعى بالضرورة جهداً أكثر من مضاعف، ودقة لم تتساهل بها أبداً "شركة ميتافورا للإنتاج الفني".

الموسيقى التصويرية تؤدي دوراً وظيفياً ذكياً؛ لا تفرض العاطفة على المُشاهد، بل ترافقه بهدوء وتترك له مساحة التأويل.


عائلة سلطان الغالب

عائلة "سلطان الغالب"

بين الداخل والخارج… وعي المَشاهد والمُشاهد

أهم ما يميّز العمل هو قدرته على الربط العضوي بين ما يجري خلف القضبان وما يحدث في الخارج. الحدود العراقية، الداخل السوري، البيوت، العلاقات العاطفية، كلها ليست خطوطاً جانبية، بل مرايا تعكس ارتباك السلطة وتحوّلات المجتمع. السجن يصبح مركز الثقل، لكن الدراما الحقيقية تكمن في ارتداد قراراته إلى الخارج.

"الخروج إلى البئر" عمل يراهن على وعي المُشاهد، ويحترم ذكاءه، ويطلب منه المشاركة الذهنية. لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يفتح أسئلة صعبة حول السلطة، الهوية، والذاكرة. 

المجلة الالكترونية

العدد 1093  |  شباط 2026

المجلة الالكترونية العدد 1093