black file

تحميل المجلة الاكترونية عدد 1096

بحث

هبة إسماعيل... حين يتحوّل الإحساس إلى هوية فنية

هبة إسماعيل

هبة إسماعيل

هبة إسماعيل

هبة إسماعيل

في عالمٍ تتقاطع فيه الدقة العلمية مع الانفعال الإبداعي، تبرز الفنانة هبة إسماعيل كصوتٍ بصري يحمل خصوصية لافتة وبصمة لا تخطئها العين. بدأت رحلتها من عيادات طبّ الأسنان، حيث تتطلب المهنة حسّاً عالياً بالجمال والدقة، قبل أن تنحاز كلياً إلى فضاء الفن، وتحوّل إحساسها الداخلي إلى لوحات تنبض بالحياة. في أعمالها، لا تكتفي هبة باستلهام المدارس الفنية كالتكعيبية والسريالية، بل تعيد تشكيلها ضمن رؤيتها الخاصة التي تصفها بـ"الهِبَاوية"، أسلوب يجمع بين الجرأة اللونية، والعمق الشعوري، واستحضار الهوية السعودية بروح معاصرة.

في هذه المقابلة، نقترب من عالمها أكثر: من بداياتها، إلى مصادر إلهامها، إلى رؤيتها للفن كمساحة للبوح والعلاج، وصولاً إلى تجربتها في عرض أعمالها عالمياً وتصميمها الخاص لمشروع البحر الأحمر.

- بدأتِ مسيرتكِ في مجال طبّ الأسنان قبل أن تتجهي إلى الفن. ما اللحظة الفاصلة التي دفعتكِ لاختيار الإبداع كمسارٍ أساسي؟

كان طموحي أن يكون لي موقع في عالم الطبّ الذي كنت أحبّه، فاخترتُ طبّ الأسنان الذي لا يبتعد عن عالم الفن. فطبيب الأسنان، بالإضافة إلى نجاحه وخبرته الطبّية، يجب أن يكون فناناً، لا سيما أنه يعمل في وجه الإنسان، وعليه أن يكون رقيقاً ودقيقاً ليخرج عمله في أجمل صورة. ولهذا اخترتُ طبّ الأسنان لأنه المسار الطبيعي لما في داخلي.

- نشأتِ في جدّة، كيف ساهمت ثقافة المدينة وبيئتها في تشكيل هويتكِ الفنية؟

جدّة هي مدينتي الحبيبة، بحضارتها القديمة وثقافتها الشاملة وتطوّرها المبهر. هي الليل الساهر والفجر المشرق، هي البحر والبرّ، وهي القديم والحديث. لذا، لا بد من أن توحي هذه المدينة لعشّاقها بكل هذا الجمال وتؤثر في أعمالهم.

- تمزج أعمالكِ بين التكعيبية والسريالية، كيف تعيدين تقديم هاتين المدرستين بأسلوب يعكس بصمتكِ الخاصة؟

أعمالي تبدأ بإحساس قبل أن تكون فكرة، وغالباً ما أشعر أن أهم ما في اللوحة هو الإحساس والقصة التي ترويها بعيداً من أي مدرسة فنية. بصمتي، في أغلب الأحيان، هي اللمسة السعودية الواضحة مع الألوان الجريئة، ومزج الماضي بالحاضر، والنقوش والإرث الفني من أنحاء المملكة، مع لمسة حديثة في الأشكال والألوان والطابع.

- تقولين: "هي ليست تكعيبية، بل هِبَاوية". ماذا يعني هذا المفهوم بالنسبة إليكِ؟

ما أصفه بـ hebaism أو "هِبَاوية" هو أسلوبي الخاص الذي أتفرّد به، وأرى أن أهم ما يميّز الفنان هو امتلاكه أسلوباً خاصاً، وهي البصمة التي يتركها في أعماله.

- كيف أثّرت خلفيتكِ الطبية في أسلوبكِ بالتكوين والدقة والتفاصيل في أعمالكِ الفنية؟

طبّ الأسنان، من بين أهدافه العديدة، التجميل. لذا لا بد من أن تكون يد الطبيب مرِنة ودقيقة في العمل. ولذلك تلاحظين أن أعمالي تحتوي على الكثير من التفاصيل التي تثير فضول الرائي، وتدفعه للبحث بين زواياها حتى يصل إلى اكتمال الصورة التي يراها.


تصميم هبة إسماعيل

تصميم هبة إسماعيل

- تصفين فنكِ بأنه "مذكرات بصرية". هل من عمل معيّن يجسّد لحظة مهمة في حياتكِ؟

كل عمل يجسّد أو يحكي عن لحظات أو ساعات أو أيام من حياتي. فأنا لا أرسم بعقلي، بل بمشاعري وأحاسيسي، سواء كانت لحظة ألم مرير أو فرح مبهج. فأنا، أولاً وأخيراً، إنسانة أتعايش مع الحياة بكل معطياتها وأدوّنها في فني.

- اختياركِ للأكريليك يبدو مقصوداً. ما الذي يجذبكِ إلى هذه الخامة تحديداً دون غيرها؟

أكثر ما يشدّني في ألوان الأكريليك هو تشبّع اللون وجرأته، فهي برأيي تعبّر عن أسلوبي أكثر من غيرها.

- ذكرتِ أن الألوان في أعمالكِ لا تمتزج بل "تصرخ"، كيف تختارين اللون المناسب لكل شعور؟

الألوان بالنسبة إليّ ليست مجرد سائل في زجاجة، بل هي ما يهب اللوحة الحياة والإشراق. أختار الألوان حسب رؤيتي للعمل؛ فالأحمر مثلًا يمثل الثورة أو الاحتراق أو الحُبّ، فيما الأبيض يرمز الى النقاء والصفاء، والأسود الى الحزن والفناء، والرمادي الى الحياد والصمت… وهكذا حتى تكتمل الرؤية والقصة في اللوحة.

- الفن بالنسبة إليكِ وسيلة علاجية. كيف ساعدكِ الإبداع في التعامل مع المشاعر أو التجارب الصعبة؟

الفن عموماً وسيلة علاجية روحية ونفسية وجسدية، وهو طوق نجاة يستخدمه الكثيرون، إذ يخرج ما يكبته الإنسان من آلام وأحزان ومشاعر سلبية، فيخفّف من معاناته ويطهّر نفسه، فيعود السلام إليها ويبدأ خطوته الجديدة.

- تمزجين في أعمالكِ بين الواقع والخيال. ما الدور الذي تلعبه المخيّلة في عمليتكِ الإبداعية؟

المخيّلة هي المركبة التي تقودني إلى عالمي الفني؛ فهي تطرّز الواقع بالألوان، وتزخرف مرارة الحياة بالأشكال، وتُظهر الجمال، وتحضّ الرائي على الوصول إلى المعنى.

- عرضتِ أعمالكِ في قارات مختلفة. كيف اختلفت ردود فعل الجمهور؟ وكيف كان رد فعلكِ حين طُلب منكِ تصميم البطة الشهيرة لمنتجع SLS في البحر الأحمر؟

لاقت أعمالي استحساناً كبيراً، وما زالت ردود الفعل الإيجابية تتوالى باستمرار. رحّبتُ كثيراً بالمشروع، وشعرت بالفخر بأن تكون لي بصمة في مشروع سياحي سعودي ناجح كالبحر الأحمر وسلسلة فنادق SLS الشهيرة.

- ما التحدّيات التي واجهتكِ كفنانة قادمة من خلفية غير تقليدية (الطبّ)؟

لم أواجه أي تحدٍّ. فقد نشأت في عائلة متعلّمة ومثقفة وملمّة بالفن وتاريخه، وفي مجتمع يتفهّم ويقدّر العمل الفني ما دام يتماشى مع هويتنا الإسلامية والحضارية.

- كيف توازنين بين التعبير عن الهشاشة والقوة في أعمال تحمل طابعاً شخصياً عميقاً؟

نتاج أي فنان يعكس شخصيته وبيئته وموهبته، وبالتالي ينتمي العمل إلى مبدعه، من حيث الجرأة والقوة والهشاشة والضعف. وبما أنها قصة صادقة تُروى في لوحة، فهي تصبح الصوت الصامت لصاحبها.

- كيف وجدتِ إلهامكِ من البحر الأحمر في تصاميمكِ الخاصة بالبطة الشهيرة لمنتجع SLS؟

استلهمت من البحر الأحمر عوالم متعددة من السحر والجمال والغموض، من مياهه الزرقاء التي تلامس أفق السماء. كما استوحيت النقوش من التراث السعودي الذي يمثل شعباً عظيماً وحضارة أمة متمسكة بإرثها وثقافتها، وتسعى لنقله الى الأجيال القادمة. واخترتُ الألوان الجريئة التي تعكس هوية البحر الأحمر بطريقة حديثة ومرِحة.

- ما النصيحة التي تقدّمينها لمَن يشعرون بالإلهام الفني لكنهم متردّدون في خوض هذه التجربة؟

لا تدعوا هذا الإحساس دفيناً في داخلكم؛ إنه نداء روحي ينبع من الداخل ليصبح عملاً خليطاً من عصارة الروح والمشاعر والأحاسيس، فاعطوه الفرصة ليحيا.

المجلة الالكترونية

العدد 1096  |  أيار 2026

المجلة الالكترونية العدد 1096