black file

تحميل المجلة الاكترونية عدد 1096

بحث

"بدنا نروق" وسيمولوجيا التوقيت... هل صار الفنّ وسيلة استشراف للأزمة؟!!

هيفاء وهبي

يبدو أنّ ثمّة علاقة جدلية بين الفن والواقع معقّدة بشكل أو بآخر، إذ هل يُمكن لفنان أن يمتلك "راداراً " حسيّاً، يلتقط نبض الكواليس قبل أن تخرج إلى الشارع والعلن؟!

هذا السؤال يطرح نفسه بإلحاح في ظلّ ظاهرة أرخت بذيولها على إيقاع الحياة بشكل عام في لبنان، فقد أصبحت عبارة "بدنا نروء " لازمة من لوازم البثّ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تماماً كما هي لازمة من لوازم الأحاديث على أنواعها خاصةً كانت أو عامّة بين مختلف الشرائح، الشعبيّة، والعلميّة، وحتى الثقافيّة...

كأنّ الجميع وجد في أغنية هيفاء وهبي الأخيرة "بدنا نروق" ضالته المنشودة، فهنا طبيب يستحضر الأغنية بداية البثّ "القيّم" ليرشدنا عن نصائحه الطبيّة العصماء، وهناك مُحلّل سياسي يستجرّ لمنصّته أغنية وهبي كمفتاح يُحرر به قيود الكلام ويختم بالمطلع ذاته بدون هدف قفل الكلام، ناهيك عن التكرار الاستنادي للكلمات ذاتها أثناء الحوارات "البيزنطية" المعهودة، أيضاً فاجأني مثقّف من العيار الفلسفي الثقيل، وهو يستشهد أمامي بـ"النَتعة" الجمالية للتركيب المَشهدي "المُذهل" على حدّ قوله "أنا مش عم جرّب إطلع... أنا أصلاً فوق".

وإذا كان لا بدّ من الحديث عن تلك الظاهرة التي فرضت نفسها بكثافة على صفحات التواصل الاجتماعي، فلا يُمكن قراءة هذا النجاح بمعزل عن اللحظات التاريخيّة التي وُلِدَت فيها تلك "الأغنية" ولبنان يرزح تحتَ وطأة تصعيد عسكري خطير وغير مسبوق، وكأنّ الأغنية لم تكن مجرد أغنية، بل بياناً استباقيّاً ونفسانيّاً يخصّ الجميع.

لا شكّ في أنّ الكلمة أحياناً تلعب دور صمّام الأمان في المعترك الاجتماعي. ففي علم النفس، عندما تبلغ الضغوط الخارجية ذروتها، يبحث العقل عن مخرج "طوارئ " للتنفّس والتنفيس والترويح عن النفس، كما في مقولة "بدنا نروء" المُستقاة من صميم الحياة العامة، والشائعة على لسان معظم الناس في البيئات الشعبيّة المُهدّدة بالانفجار على الدوام، لأنها تعتمد على تلقائيتها، كونها الخارجة من عِقال الضبط "الانفعالي " الذي تلتزمه عادة بيئات المجتمع المخملي فقط، لأنها مُدربة على "الأتيكيت " وعلى الهدوء، وعلى كبح جماح مشاعرها وأحاسيسها أصلاً بأقفالٍ فولاذيّة.

لا شكّ في أنّ التوتّر في لبنان خدم الأغنية كثيراً، وساهم في تعزيز تموضعها، وتمركزها، وتثبيتها على لسان كل مواطن، وفي ذهن كل متلقٍ... حتى صارت بمثابة تميمة، أو تعويذة، أو ربّما دعامة استراتيجيّة للتهدئة على مُختلف الصُعد وبلا استثناء، حيث اخترقت الأغنية كل الطبقات لأنها لامست حاجتهم الوجوديّة للتوازن، في ظلّ انتزاع السقوف والجدران، كأهم مكوّن من مكوّنات الاستمرار النمطي للحياة الشخصيّة الخاصّة.

ربما يختلف أسلوب تقييم أغنية "بدنا نروق" بين شريحة وأخرى، إذ ترى النخبة أنها أقرب إلى السخرية السوداء (Blak comedy) وهي تحلّل المشهد العبثي.

أمّا لدى العوام فكانت العبارة بمثابة "مهدّئ" لغوي من العيار الثقيل، نشعر بإدمان الكثير لها، وهو يفتح الكاميرا أمام المتابعين ليميّز نفسه، من خلال التجارة، والصناعة، والزراعة، وكل المِهن الشائعة على تنوّعها وامتدادها، بما فيها السياسي والأكاديمي والتربوي والفقهي ربّما.

هنا يكبُر السؤال: هل تحوّلت وهبي من الأيقونة الجماليّة المُرتبطة بالبهجة والاستعراض والمفاتن المفصّلة والشباب المُفبرك، إلى الرمز الصامد من رموز التهدئة في خضمّ الأزمة الأخيرة، أو الى "أفيون" مجاني من الممنوعات الشائعة للجماهير "الغفورة"، فهل توقيت إطلاق الأغنية بالتزامن مع توقيت بدء الحرب على لبنان، جاء محض الصدفة فعلاً، أم أنّ الجهات "العميقة" الراعية والمنتجة والمُروّجة والمُدبّجة، استطاعت أن "تؤدلج" الشعب اللبناني على قبول "الفوضى" مهما بلغت حدّتها، لحظة النزيف القصوى في وطن يعيش راهنه على فوهة بركان؟!!

"بدنا نروق" هي الأغنية التي قرأت الحرب قبل اندلاعها، ومهّدت لتداعيات الخراب قبل حدوثه، وسعت للملمة أشلاء الواقع قبل انفجاره، ومهما تراكمت الاستعارات لتوصيف المفارقة، ستظلّ علامات الاستفهام قائمة، هل هيفاء على قدر هائل من الحظوظ والتوفيق الفنّي، أمّ هي على تماس مباشر مع الكواليس "العميقة" التي ترتّب لكل فوضى أدركتنا، أو ستدركنا، في أوطانٍ مفتوحة أبداً على المجهول وعلى مخطّطات الدولة "العميقة" التي تصدّر لنا على الأسطح كل الغبار والسموم.

المجلة الالكترونية

العدد 1096  |  أيار 2026

المجلة الالكترونية العدد 1096