black file

تحميل المجلة الاكترونية عدد 1100

بحث

الفسيفساء لغة للهوية: صفية الحبسي تصنع الذاكرة من قطع صغيرة

صفية الحبسي في عمل فني يجمع بين التراث الإماراتي وفن الفسيفساء

صفية الحبسي في عمل فني يجمع بين التراث الإماراتي وفن الفسيفساء

صفية الحبسي

صفية الحبسي

قطع فسيفساء تستلهم التراث الإماراتي، وتجمع بين رموز الطبيعة والأصالة وروح الفن المعاصر

قطع فسيفساء تستلهم التراث الإماراتي، وتجمع بين رموز الطبيعة والأصالة وروح الفن المعاصر

منذ أكثر من 17 عاماً، تتعامل صفية الحبسي مع الفسيفساء كأكثر من مجرد فن؛ تراها لغة للهوية والذاكرة والانتماء. فمن القطع الصغيرة، تصنع أعمالاً تستلهم التراث الإماراتي، من شجرة الغاف وسعف النخيل إلى نقوش السدو، وتمزج فيها بين الأصالة وروح العصر. وتؤمن صفية بأن لكل قطعة قيمة، وأن اجتماع القطع المختلفة يمكن أن يصنع جمالاً ومعنى أكبر؛ وهي فلسفة تمتد من أعمالها الفنية إلى رؤيتها للعائلة والمجتمع والاستدامة. وبصفتها فنانة إماراتية وأمّاً وجدّة، أصبح الفن بالنسبة إليها أيضاً وسيلة لحفظ الذكريات ونقل القيم وبناء جسور بين الأجيال. في هذا الحوار، نتعرف إلى المرأة خلف الفسيفساء، وإلى رحلتها الإبداعية، ومصادر إلهامها، ورؤيتها لمستقبل الفن الإماراتي والإرث الذي تطمح إلى تركه.


صفية الحبسي خلال عملها على إحدى قطع الفسيفساء المستوحاة من التراث الإماراتي

صفية الحبسي خلال عملها على إحدى قطع الفسيفساء المستوحاة من التراث الإماراتي

- عندما تنظرين إلى مسيرتكِ التي امتدت لأكثر من 17 عاماً في فن الفسيفساء، ما الذي اكتشفته في نفسكِ من خلال هذا الفن ولم تكوني تعرفينه في بداياتكِ؟

اكتشفتُ أن في داخلي صبراً لم أكن أعرف مداه، وأنني أمتلك قدرة خاصة على رؤية الجمال في التفاصيل الصغيرة، وفي الأشياء التي قد يمرّ بها الآخرون من دون أن يلتفتوا إليها. الفسيفساء علّمتني أن الصورة الجميلة لا تُبنى دفعة واحدة، بل قطعة بعد قطعة، بصبر وثقة. ومع مرور السنين، أدركتُ أن الفن لم يكن مجرد هواية أو مهارة أتقنها، بل مرآة كشفت لي جانباً عميقاً من شخصيتي؛ قدرتي على البدء من جديد، وعلى تحويل النقص والكسر والاختلاف إلى شيء يحمل معنى وجمالاً.

- تقولين إن "لكل قطعة قيمة". هل هذه الفكرة بالنسبة إليكِ فلسفة فنية فقط، أم أصبحت طريقة تنظرين بها إلى الناس والحياة؟

هي بالنسبة إليّ فلسفة حياة قبل أن تكون فلسفة فنية. في الفسيفساء قد تكون القطعة صغيرة جداً، أو غير منتظمة، أو مختلفة تماماً عن باقي القطع، لكنها حين توضع في مكانها الصحيح تصبح ضرورية لاكتمال الصورة. ومع الوقت بدأت أرى الناس بالطريقة نفسها؛ لكل إنسان قيمته، ولكل شخص مكانه ودوره، حتى إن بدا مختلفاً عن الآخرين. ومن هنا أيضاً جاءت علاقتي بالمحتوى الأسري وهويتي كـ "صانعة فسيفساء القلوب"؛ فأنا أرى الأسرة مثل لوحة الفسيفساء، أفرادها مختلفون في شخصياتهم وأعمارهم وأدوارهم، لكن هذا الاختلاف هو ما يمنحها ثراءها وجمالها.

- في أعمالكِ، يلتقي التراث الإماراتي بالفن المعاصر. كيف تجدين التوازن بين الحفاظ على أصالة الرموز التراثية ومنحها حياةً جديدة تتحدث بلغة الأجيال الحديثة؟

التراث الإماراتي ليس شيئاً أعود إليه فقط، بل أحمله معي في كل عمل. هو حاضر في الذاكرة، في تفاصيل البيت، وفي كل رمز ارتبط ببيئتنا وحكاياتنا. لا أميل إلى تقديم الرموز التراثية بصورتها المألوفة أو التقليدية، بل أحرص على إعادة قراءتها فنياً ومنحها حضوراً جديداً يليق بروح العصر. فقد أستحضر شجرة الغاف بما تحمله من دلالات الجذور والصمود والانتماء، ثم أُعيد تشكيلها برؤية معاصرة وخامات غير متوقعة. وقد أستلهم السرود أو السدو أو النخيل، فأصوغها بلغة الموزاييك الزجاجي، أو الخامات الطبيعية، أو المواد المُعاد توظيفها، ليبقى الرمز وفيّاً لأصالته، فيما تتجدّد صورته وتكتسب حياةً أكثر حداثة وثراءً بصرياً.


أعمال فسيفساء مستوحاة من التراث الإماراتي

أعمال فسيفساء مستوحاة من التراث الإماراتي

- هل هناك ذكرى عائلية أو لحظة شخصية تحوّلت إلى مصدر إلهام لأحد أعمالكِ؟

نعم، غالبية أعمالي تبدأ من لحظة عابرة تحمل في داخلها معنى أكبر مما يبدو. ومن أكثر الذكريات التي بقيت معي، رحلة عائلية تناولنا خلالها الغداء في أحد المطاعم التقليدية. وبين تفاصيل المكان، لفتتني صورة السرود الموضوعة فوق طاولة الطعام. كان المشهد بسيطاً، لكنه حرّك في داخلي شيئاً عميقاً. في تلك اللحظة لم أرَ السرود عنصراً تراثياً فقط، بل رمزاً يجمع حوله الحكايات والوجوه والذكريات. رأيته مساحة تلتقي عندها العائلة، وتختصر معنى المشاركة والانتماء، وكأن خيوطه المتشابكة تشبه العلاقات التي تربط أفراد الأسرة ببعضهم بعضاً. من هنا بدأت الفكرة تأخذ مكانها في داخلي، ثم تحوّلت لاحقاً إلى إلهام فني. الفن لا يبدأ دائماً من فكرة كبيرة؛ أحياناً يبدأ من نظرة، أو ذكرى، أو مشهد عابر، ثم يكبُر حتى يتحول إلى عمل يحفظ تلك اللحظة ويمنحها حياة أخرى.

- في زمن أصبحت فيه الأجيال تتواصل عبر الشاشات أكثر مما تتواصل حول المائدة، هل ترين أن الفن يمكن أن يكون وسيلة لاستعادة الحوار داخل العائلة؟ وكيف؟

بكل تأكيد. الفن يخلق مساحة إنسانية جميلة تجعل الجميع يلتقون حول شيء واحد، من دون حواجز عمرية أو اجتماعية. حين تجتمع العائلة حول عمل فني، يبدأ الحوار تلقائياً: هذا يختار اللون، وآخر يقترح مكان القطعة، وثالث يشارك بذكرى أو فكرة. وفجأة تصبح اللوحة سبباً للجلوس معاً بعيداً عن الشاشات.

- ما أصعب شيء كان عليكِ أن تتعلّميه عندما انتقلتِ من الفن الى ريادة الأعمال؟

الشغف وحده لا يكفي. الفنانة داخلي تهتم بالفكرة والجمال والتفاصيل، أما رائدة الأعمال فعليها أن تفكر أيضاً في الوقت والتكلفة والتسعير والعقود وإدارة المشاريع والعملاء. تعلّمت أن أحمي قيمة عملي، وأفهم أن تقدير الفن مادياً لا يقلّل من روحه، بل يضمن استمراره. وكان مهماً أن أوازن بين القلب الذي يبدع، والعقل الذي يدير.

- من خلال Mosaix، لم تعُد الفسيفساء بالنسبة إليكِ مجرد ممارسة فنية فردية، بل أصبحت مساحة للتعاون والمشاركة المجتمعية. كيف غيّر العمل مع الآخرين مفهومكِ للإبداع؟

العمل مع الآخرين غيّر مفهومي للإبداع بشكل عميق. في البدايات، كنتُ أراه مساحة خاصة بين الفنان والعمل، لكنني اكتشفتُ مع الوقت أن الإبداع يزداد ثراءً حين تتقاطع فيه الأيدي والقلوب والذكريات. وأول ما اختبرت هذا المعنى كان داخل عائلتي. كثير من أفراد العائلة شاركوني في بعض الجداريات والأعمال. كنتُ أرى في عيونهم فرحة المشاركة، ثم أراهم بعد اكتمال العمل يبحثون عن القطعة التي وضعوها بأيديهم، وكأنهم يبحثون عن أثرهم داخل الحكاية. ومع مرور الوقت، شعرت أن Mosaix لم يعُد مشروعاً فردياً يخصّني وحدي، بل أصبح مشروعاً عائلياً بالمعنى الحقيقي.


أعمال فسيفساء تحتفي بالتراث الإماراتي، وتمزج رموزه الأصيلة بروح الفن المعاصر والإبداع المستدام

أعمال فسيفساء تحتفي بالتراث الإماراتي، وتمزج رموزه الأصيلة بروح الفن المعاصر والإبداع المستدام

- في عام 2025، شاركتِ في إنجاز حاز رقماً قياسياً في موسوعة "غينيس" من خلال أكبر فسيفساء مصنوعة من مواد قابلة للتحلّل الحيوي. عندما تنظرين إلى تلك التجربة اليوم، ما الذي يعنيه لكِ هذا الإنجاز بعيداً عن الرقم القياسي نفسه؟

الرقم القياسي مصدر فخر كبير بالنسبة إليّ، لكن ما بقي في قلبي من هذه التجربة يتجاوز الرقم نفسه إلى الرسالة التي حملها العمل. أن نصنع عملاً بهذا الحجم من مواد طبيعية ومستدامة، وأن تكون الصورة النهائية هي عَلَم دولة الإمارات الحبيبة، منح التجربة بالنسبة إليّ بُعداً وطنياً وإنسانياً عميقاً. استخدمنا مواد مثل نوى التمر وسعف النخيل وخامات قابلة للتحلّل، وهي مواد تنتمي إلى بيئتنا وتحمل شيئاً من هويتنا وذاكرتنا. وهذا ينسجم أيضاً مع الاهتمام الكبير الذي توليه دولة الإمارات للبيئة والاستدامة. كان هذا العمل تجسيداً لفكرة أحبّها كثيراً: أن الفن لا يكتفي بأن يكون جميلاً، بل يمكن أن يكون مسؤولاً أيضاً، وأن يحمل رسالة تتجاوز الشكل إلى الوعي والأثر.

- ما أكثر تجربة مجتمعية تركت أثراً شخصياً فيكِ، وجعلتكِ تدركين أن العمل الفني يمكن أن تكون له قيمة تتجاوز جماله البصري؟

من أكثر التجارب التي تركت أثراً عميقاً في قلبي، عملي مع أصحاب الهمم. في تلك اللحظات، لم أكن أنظر إلى العمل الفني كلوحة نريد أن نُكملها، بل كمساحة يعبّر فيها كل شخص عن نفسه بطريقته الخاصة. كنتُ أراقب كيف يختار كل واحد منهم قطعته، ويمسكها، ثم يضعها في مكانها بثقة وفرح، فأشعر أنني أمام معنى الفسيفساء الحقيقي لا أمام مجرد فن. هذه التجربة جعلتني أرى الفن بعين مختلفة؛ أدركتُ أنه قد يمنح إنساناً شعوراً بالانتماء، أو لحظة ثقة، أو مساحة يقول فيها: "أنا هنا، ولي مكاني في الصورة".

- اخترتِ لنفسكِ هوية "صانعة فسيفساء القلب". لو كان عليكِ أن تصفي المرحلة الحالية من حياتكِ بقطعة فسيفساء واحدة، كيف ستكون هذه القطعة؟

لو كان عليّ أن أختار قطعة فسيفساء تعبّر عن هذه المرحلة من حياتي، فستكون قطعة غير منتظمة، تحمل أكثر من لون وأكثر من أثر، ليست مثالية في حوافها، لكنها غنية بما مرّ عليها من تجارب وذكريات. ستكون قطعة جمعت في داخلها أدواراً كثيرة عشتها بمحبة؛ الفنانة، والأم، والجدّة، والمرأة التي تعلّمت من الحياة بقدر ما تعلّمت من الفن. قطعة تصل بين العائلة والمجتمع، بين الذكريات والبدايات الجديدة، وبين ما صنعته بيدي وما ترك أثراً في قلبي. أشعر أنني اليوم لا أبحث عن أن تكون القطعة الأجمل في اللوحة، بل أن تمنح القطعة ما حولها معنى، وتربط الأجزاء ببعضها، وتترك أثراً دافئاً في الصورة كلها. ربما لهذا اخترتُ لنفسي هوية "صانعة فسيفساء القلوب"؛ لأنني أصبحتُ أؤمن بأن أجمل ما يمكن أن نصنعه ليس لوحة تُعلَّق على جدار، بل أثر يبقى في قلب إنسان.

- هل تطمحين إلى أن تُعرَف أعمالكِ مستقبلاً بوصفها فناً إماراتياً معاصراً، أم أنكِ ترغبين في أن تتجاوز حدود الهوية المحلية لتصبح لغة إنسانية عالمية؟

أطمح إلى الاثنين معاً. أريد لأعمالي أن تحمل جذورها الإماراتية بوضوح، وأن تكون هويتي وثقافتي حاضرتين فيها، فالفن الصادق يستطيع أن يتجاوز الحدود. العائلة، والانتماء، والاختلاف، والاستدامة، والأمل، كلها مشاعر وقيم يفهمها الإنسان أينما كان. أتمنى أن يكون فني إماراتياً في جذوره، وإنسانياً في لغته ورسائله.

- إذا كان الفن وسيلة لترك أثر يتجاوز العمل نفسه، فما الأثر الذي تتمنين أن تتركيه في الناس؟

أتمنى أن أترك في الناس نظرة مختلفة؛ أن يتعلّموا ألاّ يحكموا على الأشياء من ظاهرها، وألاّ يعتبروا الكسر دائماً نهاية. فمثلاً، قد يرى شخص قطعة خزف مكسورة أو بقايا خامة لا قيمة لها، بينما أراها أنا بدايةً لعمل جديد. فالاختلاف لا يعني النقص، وما يبدو بسيطاً أو مهمّشاً قد يحمل قيمة كبيرة إذا مُنح الفرصة والمكان المناسبين. دائماً أقول: أنا أبدأ من حيث انتهى الآخرون؛ فما يراه البعض نهاية أو مخلّفات، أراه أنا بدايةً لحكاية جديدة.

- عندما تنظرين إلى رحلتكِ كامرأة إماراتية، وفنانة، ورائدة أعمال، ماذا يعني لكِ النجاح اليوم؟

النجاح اليوم لم يعُد مجرد إنجاز أو رقم أو محطة أصل إليها. النجاح أصبح أن أستمر بشغفي، وأن أتعلّم، وأن أكون قريبة من عائلتي ومجتمعي، وأن أستخدم فني لأفتح مساحة للآخرين كي يشاركوا ويعبّروا ويكتشفوا قدراتهم. النجاح الحقيقي بالنسبة إليّ هو أن أترك أثراً جميلاً في إنسان، أو عائلة، أو مجتمع، وأن يكون لما أصنعه معنى يبقى حتى بعد أن تنتهي اللوحة.


المجلة الالكترونية

العدد 1100  |  أيلول 2026

المجلة الالكترونية العدد 1100